حراسة الاراضي المقدسة

مــقـــــدمــــــة


إن التطور الذي وقع في الكنيسة الكاثوليكية في القرن التاسع عشر شَمَلَ إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية ونمو المؤسسات والخدمات التي تقدمها كل من البطريركية والحراسة إلى المؤمنين· وتضم هذه المؤسسات والخدمات النواحي الروحية ثمّ الاقتصادية والاجتماعية· فلا بدّ قبل الشروع في بحث هذا التطور وتحليله، من إلقاء نظرة سريعة على علائق الرهبان الفرنسيسيين بفلسطين منذ نشأة الحراسة في القرن الرابع عشر إلى العصر الحديث· تفيد المصادر التاريخية أن القديس فرنسيس الأسيزي (1182 - 1226) زار الشرق يرافقه اثنا عشر راهباً عام 1219، ويرى فيه بعض المؤرخين الفرنسيسيين مؤسس كيانهم الرهباني في فلسطين: "إن فرنسيس كان مؤسساً لهذه الإرسالية المجيدة التي تعرف بإرسالية الأرض المقدسة أو إرسالية سوريا"(2)· ويؤكد آخرون أنّ الوجود الفرنسيسي في فلسطين يعود إلى قبل ذلك التاريخ: "لقد أوجد مجمع الرهبنة عام 1217 إقليماً رهبانياً في فلسطين عُرِفَ بإقليم الأرض المقدسة أو إقليم سوريا وبلاد ما وراء البحار، وضمّ هذا الإقليم حوض البحر الأبيض المتوسط الجنوبي والشرقي، ليشمل البلاد السورية ومصر واليونان"(3)·
قابل القديس فرنسيس أثناء زيارته الشرق الملك الكامل في مصر، وتقول الرواية الفرنسيسية أنّ فرنسيس زار الأماكن المقدسة واستملك بعضها، كمغارة بيت لحم والجلجلة وجبل صهيون وكنيسة الناصرة، واستبقى بعض رهبانه فيها· وترجَح هذه الرواية بين الواقع التاريخي المؤكد والأسطورة، ويؤكد جولوبوفيش (Golubovich) واقعية هذه الرواية، ويَعُدّ الراهب ايليا دا كورتونا (Elia da Cortona) أول رئيس للمقاطعة الرهبانية الفرنسيسية في الشرق عام 1219(4)·
في عام 1229، عقد الإمبراطور فردريك والملك الكامل هدنة لمدة عشر سنوات، أعاد بموجبها المسلمون القدس وبيت لحم والناصرة إلى الصليبيين· أمّا الأسباب التي حملت الطرفين على توقيع الهدنة، فهي حاجة الملك الكامل إلى عون خارجي لمواجهة أطماع أخيه المعظم وحلفائه الخوارزمية· أمّا فردريك، فقد تعرّض لضغط شديد من البابوية للقيام بحملة صليبية جديدة تُصلِح الوضع الذي نجم عن إخفاق الحملة الخامسة· ولما ماطل فردريك هدّده البابا بالحرم الكنسي في أواخر أيلول 1227، فاضطرّ مكرهاً للتوجه إلى الشرق ومعه خمسمائة فارس لا ليحارب بل ليفاوض الكامل، فالظروف التاريخية والصداقة القائمة بينهما دفعت هذين الملكين للتفاهم وتفادي الحرب التي كان الطرفان في غنى عنها· وحتى عام 1228 لم يتقدم الملك فردريك إلى القدس وأقام في عكا، الأمر الذي دفع البابا غريغوريوس التاسع إلى حرمانه· ونقل صكّ الحرمان الرهبان الفرنسيسيون إلى البطريرك اللاتيني في عكا، مما أثارحفيظة الملك على الرهبان وعاقبهم·
وفي فترة الهدنة بين 1229 - 1240، عاد البطريرك اللاتيني المقيم في عكا إلى القدس مع كهنته ورهبانه، ويعتقد أن الفرنسيسيين رافقوه في هذه العودة من غير أن تكون لهم صلاحيات معينة في إدارة شؤون البلاد الدينية أو في الأماكن المقدسة، بل عبارة عن حضور رهباني تحت إشراف بطريرك القدس، أسوةً بغيرهم من رجال الدين. وبانتهاء الهدنة عام 1240، دخل المسلمون المدينة وأخلاها الصليبيون إلى عكا، "ولكن الفرنسيسيين مكثوا في المدينة حباً بالأماكن المقدسة"(5)·
أقام الفرنسيسيون في القدس على فترات متقطعه ما بين عام 1240 وسقوط عكا عام 1291، والدليل على ذلك أنّ سجلات الرهبان تذكر بعض شهدائهم في تلك الحقبة من الزمن· وسُمي هذا الإقليم الفرنسيسي بإرسالية سوريا أو حراسة الأراضي المقدسة· ثم جرى عام 1263 في عهد القديس بونفنتورا في مجمع الرهبنة المنعقد في بيزا، ضمّ مساحات إلى هذا الإقليم ليشمل المناطق الصليبية في سوريا ولبنان وفلسطين وقبرص· وقُسّم الإقليم إلى حراسات "Custodia" هي: عكا وأنطاكيا وصيدا وصور وطرابلس والقدس ويافا· وبسقوط عكا عام 1291 انسحب الفرنسيسيون إلى قبرص·
وبعد سقوط عكا أصبح منصب بطريرك القدس فخرياً يُمْنَح لبعض الشخصيات الكنسية المقيمة في الغرب، وعهد الكرسي الرسولي للرهبان الفرنسيسيين العناية بالأقلية الباقية من اللاتين في فلسطين بجانب إشرافهم على الأماكن المقدسة التي استملكوها بالمال· فقد حرص البابا يوحنا الثاني والعشرون على استمرارية صلات الرهبان بالأراضي المقدسة· وأوصى في التاسع من نيسان عام 1328 بأن يبعث الرئيس الفرنسيسي الإقليمي المقيم في قبرص اثنين من رهبانه سنوياً إلى فلسطين(6)·
ظهرت في الغرب المسيحي إذْ ذاك سياسة جديدة للتعامل مع الشرق بعيدة عن قرقعة السلاح، "فكتب عــام 1271 الدومينيكي وليم الطرابلسي (William Of Tripoli) إحــدى المــؤلفــات الضـليعـة فـي العـصــور الوسـطى عن المسلمين بعنوان "Tractatus de statu saracenorum" يبيّن فيها المواضيع التي يلتقي فيها الإسلام والمسيحية، ويدافع عن جدوى عمل المُرْسَلين لا العسكر في استعادة الأماكن المقدسة"(7)· "فبعد أن تأكّد المسيحيون الأوروبيون أنّ لغة السلاح غيرفاعلة في استعادة الأماكن المقدسة، استبدل الغرب المسيحي سياسة الحرب بسياسة المال، وصمّم علـى شراء الأماكن المقدسة بالذهب"(8)· فقد تبرع ملك نابولي روجيه دي انجو (Roger d'Anjou) وزوجه الملكة سانشا دي ماجورك (Sanche de Majorque) بالمال اللازم لهذه الغاية· وفاوض الملكَ الناصرَ نيابة عن الملك روجيه دي انجو الراهبُ الفرنسيسي روجيروس چاريني (Rogerus Garini وحسب كولان (Collin) أنّ الاتفاقية التي عقدت بين الملكين لم تكن اتفاقية بين شخصين عاديين، بل معاهدة حقيقية بين زعيمين ودولتين لصالح الكرسي الرسولي الذي يمثله الفرنسيسيون في الأماكن المقدسة(9)· وصدرت في هذه المناسبة سنة 1342 براءتان بابويتان: الأولى "Gratias Agimus" والثانية "Nuper Carissimae"(10)، حول مكانة الآباء الفرنسيسيين في الأماكن المقدسة وجهود ملك نابولي وزوجه ودورهما في تثبيت حقوق الكنيسة الكاثوليكية في الأماكن المقدسة· ويَعُدّ الفرنسيسيون هاتين البراءتين وثيقةً تأسيسيةً لحراسة الأراضي المقدسة(11)·
تمّ شــراء بعـض الأمـاكـن المقدسة من بيت مال المسلمين(12)· ويحتفظ الفرنسيسيون بوثائق شراء هذه الأماكن في أرشيف حراسة الأراضي المقدسة في دير المُخـلّص بالـقدس· وقـد حـقّـق جـولـوبـوفيــش هـذه الوثــائـق ونــشرهـا فـي كـتـابه: "Serie Cronologica dei Reverendissimi Superiori di Terra Santa" على شكل ملحق بعنوان "Firmani e documenti arabi inediti وعدد هذه الوثائق اثنتا عشرة وثيقة حُرّرت سنة 1309م (709 هـ) - 1357م (758 هـ)(13)·
ويشهد مؤرخون معاصرون لتلك الأحداث المذكورة آنفاً باستملاك الرهبان بعض الأماكن المقدسة، ومنهم الرحّالة لودلفو دي سودهايم (Ludolfo di Sudheim) الذي زار فلسطين عام 1336، وجاء في مذكراته: "في هذا الدير (دير صهيون) يعيش الإخوة الحُفاة (الإخوة الأصاغر وفي زمن زيارتي للبلاد (1336) قدّمت الملكة سانشا زوج الملك روجيه كل ما يلزم للدير· ويقيم الرهبان في كل الأوقات القداس علناً وبتقوى فائقة، ويدفنون موتاهم دون دفع أتاوة للحكام· وهؤلاء الرهبان رجال أقوياء وقادرون، يحمدهم التجار والمسلمون على حد سواء لما يصنعون من خير")14)
وهكذا بانت تدريجاً ملامح نظام حراسة الأراضي المقدسة، فحارس "Guardiano" دير جبل صهيون هو الرئيس الأعلى للفرنسيسيين في فلسطين، ويتبع للرئيس الإقليمي المقيم في قبرص· وفيما بعد حصل حارس جبل صهيون على مزيد من الاستقلال بأن استقلّ عن الرئيس الإقليمي المقيم في قبرص، وارتبط برئيس الرهبنة العام، وأكّد ذلك مجمع الرهبنة العام المُنْعَقِد في لوزان عام 1414 · وفي عام 1526 أُلحِقَ بحارس جبل صهيون صلاحيات الرئـيس الإقلـيمي· وتدريجاً لـم يـعـد يـسمى "Guardiano" بــل "Custode"(15

أما مجالات عمل الرهبان في القرن الخامس عشر والسادس عشر فتتلخص بما يلي:
 

- إرشاد الحجاج واستقبالهم·
-
العمل على التقارب المسيحي الشرقي - الغربي، وثمرة هذا التقارب لاحت في مجمع فلورنسا (1431 - 1443)·
-
تقديم الخدمات الروحية للتجار الأوروبيين وإقامة الصلاة لهم·
-
حراسة الأماكن المقدسة وصيانتها وإقامة الصلاة فيها باسم العالم الكاثوليكي كافة، وهذه رسالة الرهبان الروحية الكبرى والرئيسة·
وبجانب صلاحيات حارس الأراضي المقدسة كمندوب بابوي ورئيس الإرسالية الكاثوليكية، فقد أُنِيطَت به بعض المهام والصلاحيات >شبه الأسقفية<(16)· وتوسعت من جديد رقعة حراسة الأراضي المقدسة لتشمل سوريا ومصر والحبشة وآسيا الصغرى وأرمينيا واليونان· وفي غضون ستة قرون لم ينقطع توافد الرهبان على حراسة الأراضي المقدسة من سائر أقاليم الرهبنة الفرنسيسية· ومجال بحثنا ليس تاريخ حراسة الأراضي المقدسة بصفة عامة ، بل في فلسطين· وسنقتصر على عرض دور الرهبان وعملهم بين المسيحيين المحليين والخدمات التي قدموها للمجتمع المحلي من خلال الرعايا التي نشأت حول أديارهم، كالمدارس والمستوصفات والمطابع والمياتم·
في منتصف القرن التاسع عشر عمل البابا بيوس التاسع على إحياء البطريركية اللاتينية، فقامت البطريركية في فلسطين بجانب حراسة الأراضي المقدسة، لا لتسلبها دورها الذي عهدت به إليها الكنيسة منذ القرن الرابع عشر، بل لتؤازر الرهبان في تحقيق رسالتهم والقيام بالمسؤولية المشتركة كلّ من موقعه·

1 - نظرة عامة إلى حراسة الأراضي المقدسة في القرن التاسع عشر
2 - الأديـار الـفــرنســيســـيــة

3 - الـرعــايــا الـفــرنســــيســـيـة

4 - الحســــنات العــيـنـيـة والمــاديــة

5 - المـــدارس والمـــيـــاتم

6 - الحـــــرف الــيــــدويـــة

7 - المــطبــعــة

8 - الخــدمــات الـطـــبـيـة والصـيـدلانـيـــة

في غضون خمسة قرون متوالية، بين منتصف القرن الرابع عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، مثّل الفرنسيسيون مع بعض الكرمليين في حيفا الكنيسة الكاثوليكية في الأراضي المقدسة، وحافظوا على الوجود المسيحي في هذه الأماكن المقدسة في ظروف صعبة أحياناً· إنّ إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية في منتصف القرن الماضي صيغة جديدة للعمل الكاثوليكي، فالبطريركية ستنطلق في مجالات عمل لا تتضارب مع صلاحيات الرهبانية القديمة إذْ ستركز جهودها في الأرياف وليس في المدن التي وجدت فيها رعايا فرنسيسية· وخارج فلسطين ستتصل البطريركية بمسيحيي عبر الأردن الذين لم تُدرجهم حراسة الأراضي المقدسة ضمن مشاريعها الإرسالية· وسيظل الفرنسيسيون يمثّلون الكنيسة الكاثوليكية في الأماكن المقدسة وطرفاً في >الستاتوكوو< الذي يحدد حقوق الطوائف المسيحية في الأماكن المقدسة·
حافظ الفرنسيسيون في القرن العشرين على مؤسساتهم التعليمية والخيرية والمهنية ··· التي تكونت ملامحها النهائية في القرن التاسع عشر، وأوجدوا مؤسسات أخرى حديثة تتناسب مع تطورات القرن العشرين، فقاد علماء الآثار الفرنسيسيون حملات مكثفة للبحث عن الآثارات في الأردن وفلسطين في ثلاثة وثلاثين موقعاً وحفرية أثرية بين عامي 1894 - 1978(76)· وغدت الأماكن المقدسة والمزارات بإشراف حراسة الأراضي المقدسة ليس فقط أماكن سياحية أثرية، بل كنائس تعبق بالليتورجيا والصلاة بمختلف اللغات الحية(77).

 

Copyright © 2009 Franciscan Fathers in the Holy Land. All rights reserved.

Webmaster : Issa Majlaton