كتابات القديس فرنسيس

 

كتابات القديس فرنسيس والقديسة كلارا

ترجمة الاب طوني حداد الكبّوشي

حقوق الطبع محفوظة

 

الالرسائل

 

الالقوانين والنصائح المتعددة

 

الكتابات للقديسة كلارا

 

الالفرح الحقيقي


( إلى جميع المؤمنين )


(1220)

إنها الصيغة الثانية للرسالة إلى المؤمنين، وقد كتبت على الأرجح حوالي سنة 1220، أي بعد عودته من الشرق وفيها يحدد فرنسيس سبب كتابتها: "ولما كُنتُ مدركا أنني عاجز عن زيارتكم شخصيا وبشكل فردي بسبب المرض وضعف جسدي ارتأيت أن أنقل إليكم عبر هذه الكلمات وهذه الرسالة كلمات ربنا يسوع المسيح". وفي هذا برهان على كتابتها في هذا التاريخ والبرهان الآخر هو أنها تحمل إشارة واضحة إلى القرار البابوي الذي أصدره البابا هونوريوس الثالث في 22 تشرين الثاني 1219 (sane cum olim) لتطبيق قرارات المجمع اللاتراني الرابع، حول سر الإفخارستيا. أهم النقاط التي يتناولها فرنسيس: سر الخلاص، وحقيقة سر التجسد، وضرورة احترام رجال الإكليروس وضرورة ممارسة الأسرار وعيش التوبة، من خلال الصلاة والمحبة والتواضع والصدقة والصوم والرحمة والنقاوة ونكران الذات والخدمة والخضوع للجميع. ويختم الرسالة بقصة الإنسان المريض على فراش الموت شارحا من خلالها أهمية التوبة. من أجمل المقاطع في هذه الرسالة والتي وردت أيضا في الرسالة الأولى إلى المؤمنين وصفه لعلاقة المؤمن بكل من الأقانيم الثلاثة.

(1) باسم الرب، الآب والابن والروح القدس، آمين.

إلى جميع المسيحيين المتدينين من كهنة وعلمانيين، رجال ونساء، وجميع قاطني المسكونة بأكملها، الأخ فرنسيس خادمهم ومرؤوسهم باحترام وإجلال (يرسل) سلاما، حقا، من السماء ومحبة صادقة في الرب. (2) بما أنني خادم الجميع، فإنني ملزم بخدمة الجميع وبأن أوزع على الجميع أقوال ربي العطرة. (3) ولما كنت مدركا أنني عاجز عن زيارتكم شخصيا، وبشكل فردي بسب المرض وضعف جسدي ارتأيت أن أنقل إليكم عبر هذه الكلمات وهذه الرسالة كلمات ربنا يسوع المسيح، الذي هو كلمة الآب وكلمات الروح القدس التي هي روح وحياة. (4) إن الآب العليَّ بشر من السماء بكلمته هذه الجزيل الكرامة، والجزيل القداسة والتمجيد بواسطة ملاكه القديس جبرائيل في أحشاء القديسة المجيدة العذراء مريم، ومن أحشائها أخذ (الكلمة) جسد إنسانيتنا وهشاشتنا الحقيقية. (5) فهو الذي كان غنيا فوق كل شيء أراد اختيار الفقر لنفسه في هذا العالم مع أمه العذراء الكلية الطوبى. (6) وقُبيل آلامه، احتفل بالفصح مع تلاميذه فأخذ الخبز وشكر وبارك وكسر قائلاً: "خذوا فكلوا، هذا هو جسدي". (7) ثم أخذ الكأس وقال: "هذا هو دمي، دم العهد الجديد، الذي سيراق عنكم عن كثيرين لمغفرة الخطايا". (8) ثم صلى للآب، قائلاً: "أيها الآب، فلتبعد عني هذه الكأس إن أمكن". (9) وغَدا عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض. (10) بيد أنه وضع مشيئته في مشيئة الآب قائلاً: "يا أبت فلتكن مشيئتك، لا كما أريد أنا، بل كما تريد أنت". (11) وهذه كانت مشيئة الآب، أن يقدم ذاته ابنه المبارك والممجد، الذي أعطانا إياه، والذي وُلِدَ من أجلنا بدمه الخاص ذبيحة وقربانا على مذبح الصليب، لا من أجل ذاته، (12) هو الذي به صنع كل شيء، بل من أجل خطايانا، (13) تاركا لنا مثالا كي نقتفي آثاره. (14) وهو يريد أن نَخلُصَ جميعنا به، وأن نتناوله بقلبنا الطاهر، وجسدنا العفيف. (15) ولكن، قليلون هم الذين يريدون تناوله والخلاص به، مع أن نيره لطيف وحمله خفيف. (16) أولئك الذين يأبون تذوق عذوبة الرب، ويؤثرون الظلمات على النور، رافضين تنفيذ وصايا الله، هؤلاء ملعونون. (17) وعنهم قال النبي: "ملعونون هم الذين يبتعدون عن وصاياك". (18) ولكن، آه! هم، هم السعداء ومباركون أولئك الذين يحبون الله، ويعملون بموجب قول الرب نفسه، في الإنجيل: "أحبب الرب إلهك، بكل قلبك، وكل ذهنك، وقريبك كنفسك". (19) فلنحب الله، إذا ولنعبده بقلب نقي، وبذهن نقي، إذ أنه هو نفسه يطلب ذلك فوق كل شيء ويقول: "العابدون الحقيقيون يعبدون الآب بروح الحق". (20) فعلى جميع من يعبدونه أن يعبدوه بروح الحق. (21) ولنوجه له التسابيح والصلوات نهارا وليلاً، قائلين: "أبانا الذي في السموات"، إذ وجب علينا أن نصلي دائما من غير ملل. (22) علينا، أيضا أن نعترف للكاهن بكل خطايانا ونتناول منه جسد ربنا يسوع المسيح ودمه. (23) فمن لا يأكل جسده، ولا يشرب دمه، لا يستطيع دخول ملكوت الله. (24) ولكن، فليأكل، ويشرب باستحقاق إذ أن من يتناوله بلا استحقاق إنما يأكل ويشرب الحكم على نفسه لأنه لم يتبين جسد الرب أي أنه لم يميزه. (25) وفضلا عن ذلك، فلنثمر ثمارا تليق بالتوبة. (26) ولنحب القريب كنفسنا. (27) وإن لم يشأ أحد أن يحب قريبه كنفسه، فلا يلحقن به، على الأقل ضررا بل فليصنع له خيرا. (28) والذين تسلّموا سلطة إدانة الآخرين، فليمارسوها برحمة، مثلما يرغبون هم أنفسهم في أن يظفروا برحمة الرب، (29) إذ أن الدينونة ستكون بلا رحمة لمن لم يرحموا. (30) فليكن لدينا، إذا، المحبة والتواضع ولنقدم الإحسان، فالإحسان يغسل النفوس من دنس الخطايا. (31) والبشر يخسرون كل ما يتخلون عنه في هذه الدنيا بيد أنهم يأخذون معهم مكافأة المحبة والإحسان الذي قاموا به والذي سيتلقون عنه من الرب المكافأة والجزاء اللائق. (32)علينا إذا أن نصوم وأن نمتنع عن الرذائل والخطايا وعن كل إفراطٍ في الطعام والشراب وأن نكن كاثوليكيين. (33) علينا أيضا أن نزور الكنائس بتواتر وأن نحترم رجال الإكليروس ونكرّمهم إن كانوا خاطئين ولكن بسبب خدمتهم وتوزيعهم جسد المسيح دمه الكليّي القداسة اللذين يقربونهما ذبيحة على المذبح ويتناولونهما ويوزعونهما على الآخرين. (34) ولنعلم جميعنا علم اليقين أن ما من أحد يستطيع أن يَخلَص إلا بدم ربنا يسوع المسيح، وبكلماته المقدسة التي يتلوها رجال الإكليروس ويعلنونها ويوزعونها. (35) وعليهم وحدهم توزيعها من دون الآخرين. (36) ويلزم خصوصا الرهبان الذين زهدوا في هذه الدنيا أن يفعلوا أكثر وافضل من غير أن يهملوا هذه الأمور. (37) علنيا أن نبغض أجسادنا برذائلها وخطاياها إذ إن الرب يقول في الإنجيل: "كل الشرور والرذائل والخطايا تخرج من القلب". (38) علينا أن نحب أعداءنا ونحسن إلى من يبغضوننا. (39) علينا أن نتقيد بوصايا ربنا يسوع المسيح، ومشوراته. (40) علينا أن ننكر ذواتنا، وأن نضع أجسادنا تحت نير الخدمة والطاعة المقدسة مثلما وعد كل منا الرب. (41) ولا يلزم أي كان باسم الطاعة، أن يطيع أحداً، إن كان في الأمر جرم أو خطيئة. (42) ومن أوكلت إليه الطاعة والذي يعد الأكبر فليكن كالأصغر وخادما لسائر الاخوة. (43) وليكن رؤوفا حيال كل من اخوته، ولتكن لديه الرأفة التي يرغب في أن تظهر له لو هو وجد في حال مماثلة. (44) ولا يغضبن على أخ بسبب ذنب اقترفه هذا الأخ بل فلينبهه وليسنده بكل صبر وتواضع ولطف. (45) علينا ألا نكون حكماء ومتعقلين بحسب الجسد بل بالحريّ أن نكون بسيطين متواضعين وأنقياء. (46) ولنزدر أجسادنا ونحتقرها إذ أننا جميعنا بذنبنا أشقياء ومتعفنون ونتنون، ودودٌ كما يقول الرب بواسطة النبي: "أنا دودة، لا إنسان، ازدراء البشر، ورذالة الشعب".

(47) علينا ألا نرغب أبدا في أن نكون فوق الآخرين بل علينا بالحريّ أن نكون خداما وخاضعين لكل خليقة بشرية من أجل الله. (48) وجميع الذين واللواتي يعملون هذه الأعمال ويثابرن فيها حتى النهاية سيستقر روح الرب عليهم سيجعل فيهم مقامه ومسكنه. (49) وسيكونون أبناء الآب السماوي الذي يعملون أعماله. (50) وهم عرائس ربنا يسوع المسيح اخوته وأمهاته. (51) إننا عرائس عندما تتحد النفس المخلصة بواسطة الروح القدس بيسوع المسيح. (52) ونحن اخوته عندما نعمل بمشيئة أبيه الذي في السماء. (53) ونحن له أمهات عندما نحمله في قلبنا وجسدنا بحب وضمير نقي وصادق وعندما نلده بالعمل المقدس الذي ينبغي أن يتلألأ قدوة للآخرين.

(54) آه! إنه لمجيد ومقدس وعظيم أن يكون للمرء أب في السموات! (55) آه! إنه لمقدس ومعزّ وجميل ورائع أن يكون له عروس! (56) آه! إنه لمقدس ومبهج ومتواضع وسلمي وعذب ومحبوب ومرغوب فيه فوق كل شيء أن تكون له مثل هذا الأخ والابن الذي بذل نفسه في سبيل خرافه والذي صلى إلى أبيه من أجلنا، قائلا: "يا أبت القدوس احفظ باسمك أولئك الذين أعطيتني إياهم. (57) يا أبت جميع الذين أعطيتني إياهم في العالم كانوا لك، فأعطيتني إياهم. (58) وأنا أعطيتهم الكلام الذي أعطيتنيه وقد تقبلوه وعرفوا حقا أني خرجت من لُدْنِك وعرفوا أنك أنت أرسلتني. إني أدعو لهم لا للعالم، باركهم وقدسهم. (59) ومن أجلهم أقدس نفسي لكي يكونوا مقدسين في الوحدة مثلنا. (60) وأريد يا أبت أن يكونوا هم أيضا معي حيثما أكون لكي يعاينوا مجدي في ملكوتك".

(61) إلى الذي احتمل كثيرا من أجلنا،

والذي أنعم بكثير من الخيرات وسينعم بالمزيد في المستقبل،
فلتقدم كل خليقةٍ
في السموات وعلى الأرض وفي البحر وفي الأعماق،
التسبيح والمجد والإكرام والبركة،
(62) لأنه قدرتنا وقوتنا،
وهو وحده الصالح،
ووحده العليّ،
ووحده الكلي القدرة والعجيب والمجيد،
ووحده القدوس والجدير بالتسبيح والمبارك،
في دهر الدهور اللامتناهية،
آمين.

(63) أما جميع الذين لا يحيون التوبة، ولا يتناولون جسد ربنا يسوع المسيح، ودمه، (64) ويستسلمون للرذائل والخطايا ويسيرن في إثر الشهوة الفاسدة والرغبات الشريرة لا يتقيدون بما وعدوا به الرب، (65) ويخدمون جسديا العالم بالرغبات الجسدية وهموم هذه الدنيا ومشاغلها وهموم هذه الحياة، (66) فهم مخدوعون بإبليس إذ إنهم أبناؤه ويعملون أعماله، وهم عميان لأنهم لا يرون النور الحق، ربنا يسوع المسيح. (67) وليس لديهم حكمة روحية لأن ليس لديهم في ذواتهم ابن الله، حكم الآب الحقيقية وفيهم قيل: "لقد التهمت حكمتهم". (68) إنهم يرون الشر ويقرون به ويعلمونه ويفعلونه ويخسرون نفوسهم عن معرفة.

(69) انظروا أيها العميان المخدوعون بأعدائنا أي الجسد والعالم وإبليس، فإنه لعذب للجسد ارتكاب الخطيئة ومُرَّةٌ خدمة الله، إذ أن جميع الشرور والرذائل والخطايا تخرج وتنبعث من قلوب البشر كما يقول الرب في الإنجيل. (70) ولا شيء لكم، لا في هذا الدهر، ولا في الآتي. (71) وتظنون أنكم ستمتلكون طويلا أباطيل هذا العالم ولكنكم مخدوعون إذ سيأتي اليوم والساعة اللذان لا تفكرون فيهما ولا تعرفونهما وتجهلونهما.

(72) فيعتل الجسد، ويدنو الموت ويأتي الأقرباء والأصدقاء قائلين: "رتب أمورك". (73) ها إن زوجته وأبناءه وأقرباءه وأصدقاءه يتظاهرون بالبكاء. (74) وينظر إليهم ويراهم يبكون ويحركه دافع شرير ويفكر في ذاته قائلاً: "هوذا، نفسي وجسدي وكل أملاكي أضعها بين أيديكم". (75) إنه لملعون حقا هذا الإنسان الذي يخاطر بنفسه وجسده وكل أملاكه ويوكلها إلى مثل تلك الأيدي. (76) فالرب يقول بالنبي: "ملعون الإنسان الذي يتكل على إنسان". (77) ويأتون فورا بالكاهن ويقول الكاهن له: "هل تريد أن تنال الغفران عن جميع خطاياك؟" (78) فيجيب: "أريد" ـ "هل تريد أن تكفر، قدر طاقتك بثروتك عما اقترفته وعن الاحتيال والغش اللذين مارستهما تجاه الناس؟" (79) يجيب: "لا" ويقول الكاهن: "لم لا؟" (80) "لأني أودعت كل شيء بين أيدي أقربائي وأصدقائي". (81) ويشرع يفقد النطق وهكذا يموت ذلك البائس.

(82) ولكن، فليعلم الجميع أنه أينما مات إنسان بأي شكل من الأشكال وهو في حال الخطيئة المميتة من غير تكفير إذا كان قادرا على التكفير ولم يكفر فيخطف إبليس نفسه من جسده بكثير من الضيق والشدة، الأمر الذي لا يستطيع معرفة مداه سوى من يكابده.

(83) وسيسلب كل ما كان يظن أنه له من مواهب، وقدرات ومعرفة. (84) ويترك كل شيء للأقارب والأصدقاء وهؤلاء بعد أن يأخذوا ثروته ويقسّموها، سيقولون: "ملعونة هي نفسه، فقد كان بإمكانه أن يهبنا أكثر مما وهب وان يقتني أكثر مما اقتنى". (85) ويلتهم الدُّودُ الجسد ويفقد هكذا الجسد والنفس في هذا الدهر القصير الأمد، ويذهب إلى جهنم حيث يعذب إلى ما لا نهاية.

(86) باسم الآب والابن والروح القدس آمين. (87) أنا الأخ فرنسيس أصغر خدامكم أرجوكم وأتوسل إليكم في المحبة التي هي الله، ومع الرغبة في تقبيل أرجلكم أن تتقبلوا بتواضع ومحبة هذه الكلمات وكلمات ربنا يسوع المسيح الأخرى، وأن تنفذوها وتحفظوها. (88) وليبارك الآب والابن والروح القدس جميع الذين واللواتي يقبلونها بلطف ويفهمونهما ويرسلون منها إلى الآخرين إن ثابروا على ذلك، حتى النهاية.

آمين.

 

(  إلى رجال الاكليروس )


 

(1220)

هذه الرسالة هي الصيغة الثانية للرسالة إلى رجال الإكليروس، وهي من أكثر تعاليم فرنسيس حيوية حول سِرّْ الإفخارستيا، بحسب تعاليم المجمع اللاتراني الرابع (سنة 1215) وقرار البابا هونوريوس الثالث Sane cum olim)، سنة 1219) حول تجديد تكريم القربان المقدس. نعرف من سير حياته كيف أنه كان يتألم عندما كان يصادف كنائس فقيرة ومهملة، وكيف أنه كان يحمل دائما، في أسفاره مكنسة لتنظيف الكنائس المهملة. وابتداء من سنة 1220، بدأ فرنسيس نشاطا متواصلا لحمل الناس على احترام سر القربان، مستعينا الرسائل، إذ أنه أصبح مريضا غير قادر على التنقل. وهذه الرسالة بالإضافة إلى غيرها هي جزء من هذه الحملة الإفخارستية فيها يتكلم على الاحترام الواجب نحو سِرّْ الإفخارستيا وعلى الاهتمام بكل ما له صلة بهذا السر (كنائس، مذابح، كؤوس، أوان مقدسة، شراشف المذبح، المناصف، الأقمشة التي يُقرب عليها جسد الرب ودمه)، وعلى النقاوة الداخلية للذين يتناولون جسد الرب وعلى الاحترام الفائق في حمله. وكان فرنسيس يعرف جيدا حالات الإهمال إزاء هذا السر العظيم، ويصفها بدقة. وهو يريد أن يصحح هذه الأخطاء بدءاً بذاته: "فلنتبين نحن الإكليريكيين جميعنا الخطيئة الكبرى والجهل لدى بعضهم حيال جسد ربنا يسوع المسيح ودمه الكليّي القداسة، وأسمائه الكلية القداسة وكلماته المكتوبة التي تقدس الجسد".

(1) فلنتبين، نحن الإكليريكيين، جميعنا الخطيئة الكبرى والجهل لدى بعضهم حيال جسد ربنا يسوع المسيح، دمه الكليّي القداسة، وأسمائها الكلية القداسة، وكلماته المكتوبة التي تقدس الجسد.

(2) وإننا نعلم أنه لا يمكن أن يكن الجسد ما لم يقدس من قبل بالكلمة. (3) فنحن، لا شيء لدينا ولا نرى جسديا من العليّ نفسه في هذا العالم سوى الجسد والدم والأسماء والكلمات التي بها صُنعنا، وافتدينا من الموت إلى الحياة.

(4) وعلى جميع من يوزعون هذه الخدمات الكلية القداسة، لاسيَّما أولئك الذين يوزعونها بلا تمييز أن يتفكروا كيف أن الكؤوس والصمدات والشراشف التي يُقرّب عليها جسد ربنا ودمه مهملة. (5) وإن كثيرين يتركونه في أماكن مزرية ويحملونه بطريقة يرثى لها ويتناولونه بلا جدارة ويوزعونه على الآخرين بلا تمييز. (6) وأحيانا تداس بالأرجل أسماء ربنا وكلماته المكتوبة. (7) فالإنسان البشري لا يتبين ما هو لله.

(8) ألا يثير ذلك شفقتنا، في حين أن ربنا الشَّفوق نفسه يُقدم ذاته بين أيدينا، ونحن نلمسه يوميا ونتناوله بفمنا؟ (9) أو نجهل أن علينا أن نحضر بين يديه؟ (10) فلنصلح إذا ذواتنا من كل تلك الأمور من غيرها بسرعة وحزم. (11) ولينتزع جسد ربنا يسوع المسيح، الكُلّي القداسة من أي مكان وُضع وتُرك فيه بشكل غير لائق، وليوضع ويحفظ في مكان ثمين. (12) وكذلك حيثما وجدت أسماء ربنا وكلماته المكتوبة في أماكن قذرة فلتلتقط ولتوضع في مكان لائق.

(13) إننا نعلم أننا ملزمون بحفظ كل ذلك، فوق كل شيء، وفقا لوصايا الرب ولدساتير أُمنا الكنيسة المقدسة. (14) وليعلم من لا يفعل ذلك أنه سيؤدي عنه حسابا يوم الدينونة أمام ربنا يسوع المسيح. (15) وليعلم الذين سينسخون هذه المدونة، لكي تُحفظ على نحو أفضل أنهم مباركون من الرب الإله.

 

( الأولى إلى الحراس )


 

(1220)

الُحرّاس هم اخوة في موقع المسؤولية في الرهبنة. وجدت هذه التسمية تطورا خلال حياة فرنسيس وفي كتاباته. ففي القانون المثبت، الفصل الرابع يتكلم على الحُرّاس بمعنيين: الحارس هو الخادم العام أو الخادم الإقليمي. أما في وصيته فصار استعمال هذه الكلمة محصورا في معنى واحد: بما أن الإقليم كان مقسما إلى حراسات (أو مناطق)، فالحارس هو المسؤول الأول عن هذه الحراسة. وهذا الاستعمال لكلمة "حارس" موجود لأول مرة بهذا المعنى الأخير في هذه الرسالة. وبهذا المعنى استعمل البابا هونوريوس الثالث كلمة "حراس"، في براءته البابوية الصادرة في 22 تشرين الثاني 1220 (Cum secundum consilium). من ناحية أخرى، اكتشف بول ساباتييه هذه الرسالة الأولى إلى الحراس سنة 1902 في مخطوط (رقم 225) في مدينة "فولتيرا" الإيطالية، وهو المخطوط الوحيد الذي نقلها إلينا. وهي تحمل إلينا، أيضا همّ فرنسيس: أي الاحترام الواجب نحو الإفخارستيا ونحو كلمة الله. وهذا يعكس همّ الكنيسة، في فترة ما بعد المجمع اللاتراني الرابع، وخصوصا بعد قرار البابا هونوريوس الثالث Sane cum olim)، سنة 1219) حول تجديد تكريم القربان المقدس. لذلك، يرجح أنها كتبت بعد عودة فرنسيس من الشرق الأوسط أي حوالي سنة 1220. في هذه الرسالة ثلاث أفكار جديدة:

1. الطلب من الوعاظ مناشدة الشعب التوبة واحترام سر القربان.

2. توصية الجميع بأن يركعوا عند رفع القربان، بعد التكريس، وعند نقله في الشوارع.

3. والدعوة إلى تسبيح الرب في كل ساعة، وعند قرع الجرس.


(1) إلى جميع حُرّاس الاخوة الأصاغر، الذين ستصل إليهم هذه الرسالة، الأخ فرنسيس، خادمكم، وصغيركم في الرب الإله، يهديكم التحية مع العلامات الجديدة للسماء والأرض، العلامات العظيمة، والمميزة لدى الله، بينما يُعدّها الكثيرون من الرهبان ومن سائر البشر كأنها لا شيء على الإطلاق.

 

(2) إني أرجوكم، أكثر مما لو كان الأمر يتعلق بي، أن تتوسلوا رجال الإكليروس بتواضع عندما ينبغي، وعندما يبدو لكم ذلك ملائما، كي يوقّروا فوق كل شيء جسد ربنا يسوع المسيح، ودمه، الكُلِّيَّي القداسة، وأسماءه المقدسة، وكلماته المكتوبة التي تقدس الجسد.

(2) وليعتبروا الكؤوس، والصمدات وزينة المذبح وكل ما له بالذبيحة من صلة، أشياء ثمينة. (4) وإن كل جسد الرب الكليي القداسة في أي مكان موضوعا على نحو مُزْرٍ جدا فليضعوه وليحفظوه وفاقا لوصية الكنيسة في مكان ثمين، وليحملوه بتكريم عظيم وليوزعوه على الآخرين بتمييز. (5) ولتلتقط أسماء الرب وكلماته المكتوبة حيثما وجدت في أماكن قذرة ولتوضع في مكان لائق.

(6) وفي كل عظةٍ تعظونها، ذكروا الشعب بالتوبة وبأنه ما من إنسان، يستطيع أن يخلص سوى من يتناول جسد الرب ودمه الكليّي القداسة، (7) وعندما يقربه الكاهن على المذبح، ويُحمل إلى مكان ما فليركع جميع الناس وليقدموا للرب الإله الحي والحق، التسبيح والمجد والإكرام. (8) أعلنوا، وعظوا جميع الأمم، كي يرفع الشعب كله في الأرض كلها التسبيح والشكر لله الكُليّي القدرة، في كل ساعة وكلما قُرعت الأجراس.

(9) وليعلم جميع اخوتي الحراس الذين ستصل إليهم هذه المُدّوَنة والذين سينسخونها ويحملونها معهم، ويعملون على نسخها للاخوة المكلفين بمهمة الوعظ، وبحراسة الاخوة والذين سيكرزون حتى النهاية بما تتضمنه هذه المدونة، أن بركة الرب الإله، وبركتي عليهم. (10) ولتكن تلك الأمور لهم بمثابة طاعة حقيقية ومقدسة. آمين.



( الثانية إلى الحراس )


 

(1220)

لقد اكتشف الأخ لوقا وادينغ هذه الرسالة مترجمة إلى اللغة الإسبانية، في أحد أديارِ الاخوة في إسبانيا. وقد حفظت في أرشيف ذلك الدير، منذ أيام يوحنا بارنتي الذي كان خادما إقليميا لإقليم إسبانيا وصار خادما عاما للرهبنة، من سنة 1227 إلى 1232. لقد ترجم وادينغ هذا النص إلى اللاتينية الأمر الذي صعّب الأمور فاستحال اكتشاف أسلوب فرنسيس في هذه الرسالة خصوصا وإن النص الإسباني قد ضاع. لكن، لا شك في نسبتها إلى فرنسيس إذ أن محتواها يعكس "حملته الإفخارستية" التي تميز بها، في هذه الفترة. من ناحية أخرى فهذه الرسالة تشير إلى الرسائل الأخرى التي كتبها في هذه الفترة حول الإفخارستيا خصوصا تلك التي أُرسلت إلى رجال الإكليروس وإلى قادة الشعوب. لذلك، يبدو أن هذه الرسالة كُتبت بعد عودته من الشرق، وبعد الرسائل الأخرى التي كُتبت في هذه الفترة.

(1) إلى جميع حُرّاس الاخوة الأصاغر الذين ستصل إليهم هذه الرسالة، الأخ فرنسيس أصغر خدام الله، يهديكم التحية والسلام المقدس فيالرب. (2) اعلموا أن ثمة أشياء رفيعة وسامية نصب عيني الله، يعتبرها الناس أحيانا حقيرة ووضيعة، (3) بينما هناك أشياء أخرى ثمينة ومميزة بين الناس تعتبر حقيرة جداً ووضيعة أمام الله.

(4) إني أرجوكم، أمام الرب إلهنا، بقدر ما أستطيع، أن تعطوا الأساقفة، ورجال الإكليروس الآخرين، تلك الرسائل التي تتكلم على جسد ربنا ودمه الكليي القداسة، (5) وتحفظوا في ذهنك ما أوصيناكم به بهذا الخصوص. (6) انسخوا مرات كثيرة الرسالة الأخرى التي أُرسلها إليكم، لتعطوها إلى الحكام والقناصل والقادة والتي تحتوي على الدعوة لإعلان التسابيح لله بين الشعوب وفي الساحات، (7) ووزعوها بعناية كبرى إلى من يجب أن تعطوها.

 

 

( إلى الأخ ليون )


 

(1224 ـ 1226)

بقيت هذه الرسالة، التي دوّنها القديس فرنسيس بخط يده على الرِّقِّ مجهولة لفترة طويلة وكأنها سرُ الأخ ليون. ظهر هذا النص الأصلي سنة 1604 بطريقةٍ مجهولةٍ، في أحد أديار سبوليتو ثم بعد فترة من الزمن عاد واختفى حتى سنة 1893. وسنة 1902 أعطى البابا لاون الثالث عشر الرّقّ إلى كاتدرائية سبوليتو حيث مازال حتى الآن. ويبدو أنه في الفترة التي اختفى فيها كان موضوعا في علبةٍ للذخائر. لا عناصر كافية لتحديد تاريخ تدوين هذه الرسالة، لكن معظم العلماء يقترحون السنوات الأخيرة حياة فرنسيس أي بعد حصوله على سمات المسيح، في أيلول 1224. ويعتقد بعض العلماء أن أجزاء صغيرة ناقصة من جانبي هذا الرق، الذي يبلغ طوله 13 سم، وعرضه الحالي 6سم. أما مناسبة هذه الرسالة فهي: كان الأخ ليون في أزمة وعلى الرغم من الحوار الذي دار بينهما بينما كانا سائرين في الطريق، أراد أن يرى فرنسيس للنصح، والتعزية. فلخّص له فرنسيس الحديث الذي دار بينهما، وقال بأن لا لزوم لزيارته ويعتقد أتيليو بارتولي لنجيلي بأن الرسالة في الأصل تنتهي هنا مع توقيع فرنسيس. لكنه يقول بأن فرنسيس عاد ففكر في الأمر ولم يُرِد أن يترك له الحرية في المجيء إليه. فعلى أي حال، تقوم المشورة، التي أعطاها فرنسيس للأخ ليون على اتباع الحرية الإنجيلية، لذلك فالرسالة إلى الأخ تعبِّر عن الصداقة الروحية بينهما، وهي دليل أساسي لكل منشئ، وخصوصا للمنشئ الفرنسيسي.

(1) إلى الأخ ليون، تحية وسلام من أخيك فرنسيس.

(2) أقول لك ذلك يا بُنيّ مثل أمٍّ لأن جميع الأقوال التي تبادلناها في الطريق أرتبها وأنصحك إياها، باختصار في هذه الكلمة فلا لزوم لمجيئك إليّ التماسا لنصيحة لأني أنصحك بهذا:

(3) أي وسيلة وجدتها هي المثلى لإرضاء الرب الإله، ولاقتفاء آثاره، وفقره، فاتّبعها ببركة الرب الإله، وبإذني.

(4) وإن كان من الضرورة لنفسك، أو لتعزية أخرى، وإن أنت شئت أن تأتي إليّ، فتعال.


 

( إلى المجمع الرهباني العام )


 

(1225-1226)

بين كل الرسائل التي كتبها فرنسيس، الرسالة إلى كل الرهبنة وهي على الأرجح الأكثر ليتورجيّةً في توجهها، حيث يشجع الاخوة على إظهار احترامهم وإكرامهم للإفخارستيٌا، ولليتورجيا الساعات، ويعرض بالتفصيل نظرته العميقة حول سر الإفخارستيٌا، وعلاقته بالكلمة. يقول أوبرتينو من كازالي في كتابه: "شجرة حياة يسوع المسيح المصلوب" (سنة 1305)، بأنٌ هذه الرسالة كُتِبَت في أواخر حياة فرنسيس. وفي 3 كانون الأول 1224 صدرت براءة بابوية (Quia populares tumultes) تسمح للاخوة بالاحتفال بالقداس الإلهي في كنائسهم، ومعابدهم. فمن المحتمل أن تكون هذه البراءة قد أسهمت في تشجيع الفقير الصغير على كتابة رسالته هذه إلى كل الرهبنة. ومن ناحية أخرى، فإنٌ الكثير من المواضيع الموجودة في هذه الرسالة تعكس همومه التي ترجمها في وصيته الأخيرة قبل مماته. بينما بعض المخطوطات تسمي هذه الوثيقة "رسالة إلى المجمع العام"، فإنٌ بعضهم يسميها "رسالة إلى كل الرهبنة"، إذ إنٌ فرنسيس في الآية الثانية، يتوجه إلى كل الاخوة. وتنتهي الرسالة بصلاة غزيرة المعاني الأدبية واللاهوتية، حيث ينجلي مفهوم كامل للثالوث، وللمسيرة الروحية المعروضة أمام الإنسان. وهي تعكس التوازن الروحي الرائع الذي توصل إليه فرنسيس في حياته.

 

(1) باسم الثالوث الأسمى، والوحدة المقدسة، الآب والابن والروح القدس، آمين.

(2) إلى جميع اخوتي الموقٌرين والمحبوبين جداً، إلى الأخ... الخادم العامٌ لرهبنة الاخوة الأصاغر وسيدها، وإلى سائر الخدام العامين الذين سيخلفونه، وإلى جميع خدام هذه الرهبنة عينها، وحراسها، وكهنتها المتواضعين في المسيح، وإلى جميع الاخوة البسطاء، والمطيعين الأوٌلين والأخيرين. (3) الأخ فرنسيس، الرجل الحقير والضعيف، خادمكم الصغير يهديكم تحية في الذي افتدانا وغسلنا بدمه الثمين جداً. (4) لدى سماعكم اسمه، اعبدوه بخشية واحترام، ساجدين على الأرض: فإنٌ اسمه هو الرب يسوع المسيح، وابن العليٌ الذي هو مبارك في الدهور، آمين.

(5) اسمعوا يا أبنائي واخوتي وأسيادي، وأصغوا إلى أقوالي. (6) أميلوا أُذُنَ قلبكم، وأطيعوا صوت ابن الله. (7) احفظوا وصاياه بكلٌ قلبكم، وتمموا مشوراته بذهنٍ كاملٍ. (8) اعترفوا له لأنه صالح، وارفعوه بأعمالكم. (9) فهو من أجل ذلك أرسلكم إلى العالم أجمع، كي تشهدوا لصوته، بالقول والعمل، ولكي تحيطوا الجميع علماً بأن لا أحد سواه كليٌ القدرة. (10) ثابروا في التأديب والطاعة المقدسة، واعملوا بقصدٍ صالحٍ وثابت بما وعدتموه به. (11) إنٌ الرب الإله يقدم لنا ذاته تقديمهُ لها إلى أبنائه.

(12) ولذلك أتوسل إليكم جميعاً اخوتي مقبلاً أرجلكم، وبكل ما يسعني من محبة، أن تظهروا كلٌ ما تستطيعون من توقير، وتكريم لجسد ربنا يسوع المسيح ودمه الكلٌيي القداسة، (13) اللذين بهما تحقق السلام والمصالحة بين الله الكليٌ القدرة وكلٌ ما في السماوات وعلى الأرض. (14) وإنني أرجو أيضا في الرب جمع اخوتي الكهنة الذين هم الآن، والذين سيصبحون، والذين يرغبون في أن يكونوا كهنة العليٌ: كلما شاؤوا الاحتفال بالقداس، فليكونوا أنقياء وليقيموا بنقاوة ووقار الذبيحة الحقيقية، ذبيحة جسد ربنا يسوع المسيح ودمه الكليٌ القداسة، بنيٌة مقدسة وطاهرة، لا لأي غرض أرضي، ولا خشية من أيٌ إنسان أو حبا له، أو التماسا لرضى البشر. (15) بل فلتكن كل إرادتهم بقدر ما تؤازرها النعمة الإلهية، متجهة نحو الله، ولا تحدوها سوى رغبة إرضائه وحده الرب الأسمى، فهو وحده يعمل بها كما يشاء، (16) إذ قال هو نفسه: "اصنعوا هذا لذكري". وإن صنع أحد خلاف ذلك، يغدو خائنا نظير يهوذا، ويكون مذنباً إلى جسد الرب ودمه.

(17) تذكروا اخوتي الكهنة ما ورد في شريعة موسى، وهو يقضي على من يخالفها حتى في الأمور المادية، أن يموت بلا رحمة بأمر الرب. (18) فكم بالحريٌ ينبغي أن تكون أكبر وأشدٌ العقوبات التي يستحقها من داس ابن الله، ومن دنس دم العهد الذي قُدٌسَ به، واستهان بروح النعمة! (19) فالإنسان يحتقر حمل الله، ويدنسه، ويدوسه عندما لا يتبيٌن ولا يميز على حدٌ قول الرسول، خبز المسيح المقدس من سائر الأطعمة والأعمال، أو عندما يأكله وهو غير مستحق، أو حتى لو كان مستحقا عندما يأكله باطلا وبلا استحقاق، إذ إنٌ الرب يقول على لسان النبيٌ: "ملعون من يعمل عمل الرب بتوانٍ". (20) وهو يدين الكهنة الذين لا يريدون أن يُعْنَوا بذلك عناية خاصة، قائلا: "سألعن بركاتكم".

(21) اسمعوا يا اخوتي: إن كانت العذراء الطوباويٌة مُكرمٌة إلى هذا الحدٌ كما يليق بها، لأنها حملته في أحشائها الكلٌية القداسة، وإن كان المعمدان الطوباويٌ قد ارتعد، ولم يجرؤ على مسٌ رأس الله المقدس، وإن كان القبر الذي رقد فيه فترة مُكرمٌا، (22) فكم بالحريٌ أن يكون قديساً وباراً وأهلاً من يمسٌ (المسيح) بيديه، ويتناوله في قلبه، وفي فمه، ويقدمه للآخرين كي يتناولوه، ليس بصفته كائناً ميتاً، بل بصفته حياً وممجداً إلى الأبد، هو الذي تشتهي الملائكة أن تمعن النظر فيه.

(23) تأملوا كرامتكم اخوتي الكهنة، وكونوا قديسين، لأنه هو قدوس. (24) وكما كرٌمكم الرب الإله فوق الجميع بسبب هذه الخدمة، كذلك أنتم أحبوه ووقروه وكرٌموه فوق الجميع. (25) كبير هو بؤسكم، وبائس هو وهنكم عندما يكون لكم حاضراً إلى هذا الحدٌ، وأنتم مهتمون بأيٌ أمر آخر من أمور الدنيا كلٌها.

(26) فليخشَ الإنسان بكٌليته، وليرتعد العالم كلٌه،
ولتبتهج السماء، عندما يكون المسيح، ابن الله الحي،
على الهيكل، في يد الكاهن،

(27) يا للعلوٌ العجيب، والمكانة المذهلة!
يا للتواضع السٌامي!
ويا للسمو المتواضع!
أن يَتَّضِع الرب الكون،
الله، وابن الله،
بحيث يتوارى،
من أجل خلاصنا،
تحت شكلِ الخبزِ البسيط!

(28) انظروا يا اخوتي إلى تواضع الله،
واسكبوا قلوبكم أمامه،
إتضعوا، أنتم أيضا
لكي ترفعوا به.

(29) لا تحتفظوا إذا لذواتكم بشيء منكم،
لكي يتقبلكم كليا،
من يهبكم ذاته كليا.

(30) لذلك أنبٌه وأناشد في الرب: في الأماكن حيثما يقيم الاخوة، فليحتفل بقداسٍ واحد في اليوم، وفقاٍ لنهج الكنيسة المقدسة. (31) وإن كان في ذلك المكان كهنة عديدون، فُحبَّاً بالمحبة ليكتفِ كل كاهن بسماع احتفال الآخر به. (32) لأن الرب يسوع المسيح، يملأ من هم جديرون به من الحاضرين والغائبين. (33) ومع أنه يبدو حاضرا في أماكن عديدة، يظلٌ مع ذلك غير منقسم ولا يعرف أيٌ نقصان، ولكنه واحد في كل مكان يفعل كما يشاء الرب الإله الآب والروح القدس البارقليط إلى دهر الدهور، آمين.

(34) ولأن من كان من الله، سمع كلام الله، علينا بالتالي نحن الذين انتدبوا انتدابا خاصا للمهمات الإلهية، ألاٌ نصغي إلى ما يقول الرب ونفعله وحسب بل أيضا أن نحافظ على الأواني والأشياء اللٌيتورجية الأخرى، التي تحتوي كلماته المقدسة، لكي يتغلغل فينا سموٌ خالقنا وخضوعا له. (35) لذلك أنبٌه جميع اخوتي وأشجعهم في المسيح حيثما وجدوا الكلمات الإلهية المكتوبة، أن يوقٌروها بقدر ما يستطيعون. (36) وبقدر ما يتعلق الأمر بهم، إن لم تكن تلك الكلمات محفوظة حفظاً جيداً، أو إن كانت ملقاة ومبعثرة في مكان ما على نحوٍ غير لائق فليلتقطوها وليحفظوها، مُكرمين الرب في الكلمات التي تَلَّفَظَ بها. (37) فإنٌ أشياء كثيرة تُقَدَّس بكلمات الله، وبفضل كلمات المسيح يتحقق سرٌ المذبح.

(38) كما أنني أعترف بكل خطاياي للرب الإله، الآب والابن والروح القدس، وللطوباوية مريم الدائمة البتولية، ولجميع القديسين في السماء وعلى الأرض، وللأخ إ... ، خادم جماعتنا الرهبانية بصفته سيدي الموقٌر، ولكهنة رهبنتنا، ولسائر الاخوة المباركين جميعهم. (39) في مجالات عديدة أسأت بذنبي الجسيم، لا سيٌما لأنني لم أحفظ القانون الذي وعدت به الرب، ولا الفرض حسبما يقتضي القانون، سواء عن إهمال، أو من جرٌاء مرضي، أو لأنني جاهل وغير متعلم.

(40) لذلك أرجو في كل ذلك ووسع طاقتي، الأخ إ... سيدي الخادم العامٌ، أن يلزم الجميع بحفظ القانون في معزل عن أية مخالفة، (41) وليتلُ الإكليريكيٌون الفرض بتقوى أمام الله مهتمين، لا برخامة الصوت بل بتناغم الفكر، بحيث يتوافق الصوت مع الفكر، ويتوافق الفكر مع الله، (42) لكي يستطيعوا مرضاة الله بنقاوة القلب، لا دغدغة آذان الشعب، بعذوبة أصواتهم. (43) أما أنا فأعد بالحفاظ على ذلك بحزم بقدر ما يمنٌ الله عليٌ بنعمته، وسأنقله للاخوة الذين هم معي لكي يحفظوه في الفرض وفي التٌدابير الأخرى التي نصٌ عليها القانون.

(44) أما أولئك الاخوة غير الراغبين في حفظ ذلك، فلستُ أُعِدُّهم كاثوليكيين، ولا اخوة لي، ولا أريد حتى أن أراهم أو أن أُكَلِّمهم إلى أن يكفٌروا عن ذلك. (45) وإنني أقول القول عينه في من يتيهون متخلٌين عمٌا رتبه القانون، (46) إذ إنٌ الرب يسوع المسيح قد وهب حياته لكي لا يفقد الطاعة تجاه أبيه الكليٌ القداسة. (47) أنا الأخ فرنسيس، إنسان بطٌال، وخليقة الرب الإله غير المستحقٌة، أقول بالرب يسوع المسيح للأخ إ... الخادم العامٌ لكل جماعتنا الرهبانية، ولكل الخدام العامين الذين سيخلفونه، وإلى سائر حرٌاس الاخوة وخدامهم المحليين الموجودين الآن، والذين سيوجدون، أن يحملوا معهم هذا النصٌ، وأن يضعوه موضع التنفيذ، ويجهدوا في الحفاظ عليه. (48) وأرجوهم أن يتقيدوا بعناية بما ورد فيه، ويجعل الآخرين يحفظونه بِهِمَّةٍ حسب مرضاة الله الكليٌ القدرة، الآن ودائما وطالما ظلٌ العالم قائما. (49) بارككم الرب أنتم من سيعملون بذلك، وليكن معكم إلى الأبد. آمين.

صلاة :


(50) أيها الإله الكليٌ القدرة، الأزليٌ، العادل، الرٌحيم،
أعطنا نحن البائسين، أن نعمل من أجلك،
ما نعرف أنك تريده، وأن نريد دائما ما يرضيك،

(51) لكي نستطيع، بعد أن نكون قد تطهٌرنا داخليا،
واستنرنا داخليا، واضطرمنا بنارِ الروحِ القُدُس،
ن نقتفي آثار ابنك الحبيب، ربنا يسوع المسيح،

(52) ولكي نصل إليك، أيها العليٌ، بنعمتك وحدها،
أنت يا من في الثالوث الكامل، وبالوحدة البسيطة،
تحيا، وتملك، وتمجٌد،إلها كليٌ القدرة،
إلى دهر الدهور،
آمين.

 

( إلى خادم في الرهبنة )


 

(1221-1223)

تقدٌم المخطوطات عناوين مختلفة لهذه الرسالة: "رسالة من القديس فرنسيس إلى أحد الخدام"، "رسالة من القديس فرنسيس إلى الخادم العام، أي الأخ إيليا"، "رسالة إلى الأخ إيليا"، "رسالة من القديس فرنسيس إلى الخادم العام، حول كيفية خدمة الاخوة الذين يخطئون خطيئة مميتة أو عرضية". لكنٌ معظم العلماء يتبعون "إسٌار"، في اختياره العنوان الموجود في معظم المخطوطات، وأهمها: "رسالة إلى خادم في الرهبنة". بذلك يبقى مجهولا اسم الخادم المُرْسَل إليه، ويبقى الأمر مفتوحا أمام الباحثين. تحتوي هذه الرسالة على فقرتين. تخصٌ الفقرة الأولى تلك المواقف التي يجب أن يتحلٌى بها الخادم في معاطاته مع الاخوة الذين يخطئون. أما الفقرة الثانية، فتحتوي على ملخص للفصول الموجودة في القانون الأول، والتي تتكلم عن الاخوة الذين يخطئون. من المسلٌم به أنٌ هذه الرسالة كُتِبَت بعد سنة 1221، وقبل المجمع العام المنعقد سنة 1223، والذي عدٌل فيه الاخوة القانون، قبل أن يثبته الحبر الروماني. كتب فرنسيس هذه الرسالة إلى خادم في الرهبنة كان يجد صعوبة في التعاطي مع الاخوة الذين يخطئون، وكان يرغب في أن يذهب إلى المحبسة بدلا من أن يبقى في تلك الخدمة الصعبة. تعبٌر هذه الرسالة بوضوح عن رحمة القديس فرنسيس، ومحبته للذين يخطئون، وللمدّّعُوّين إلى خدمتهم.

(1) إلى الأخ الخادم ...، فليباركك الرب.

(2) بخصوص نفسك، أقول لك كما أستطيع، أنٌ عليك أن تعدٌ نعمة ما يحول دون حبك للرب الإله، وكل من يكون حائلا، من الاخوة أو من سواهم، حتى لو انهالوا عليك بالضرب. (3) وعليك أن تريد ذلك، ولا شيء سواه. (4) وليكن ذلك لك، بمثابة طاعة حقيقية للرب الإله ولي، فإني أعلم يقينا، أنٌ هذه هي الطاعة الحقٌة. (5) وأحبٌ من يفعلون بك ذلك. (6) ولا ترغب في أن تنال منهم سوى ما يعطيك الرب.

(7) وأَحْبِبْهُم في ذلك، ولا ترغب في أن يكونوا مسيحيين أفضل. (8) وليكن لك ذلك أكثر من محبسة.(9) وبهذا أريد أن أعرف إن كنت تحب الله وتحبني أنا خادمه وخادمك: إن لم تترك أيٌ أخ في العالم في حال خَطِئَ بقدر ما يستطيع أن يخطأ، وبعد أن يرى عينيك، يمضي من دون رحمتك في حال طلب الرحمة. (10) وإن هو لم يطلب الرحمة، فاسأله أنت هل يريد الرحمة. (11) وإن هو بعد ذلك أخطأ ألف مرة أمام عينيك، أحببه أكثر مني لكي تجذبه نحو الرب وكن دائما بمثل هؤلاء الاخوة رحوما. (12) وأحط الخدام المحليين علما عندما تستطيع بأنك عازم على السلوك على هذا النحو.

(13) من كل الفصول الموجودة في قانوننا والتي تتكلم على الخطايا المميتة سنصوغ بعون الرب وبمشورة الاخوة في مجمع العنصرة فصلا كالتالي: (14) إن خَطِئَ أحد الاخوة بتحريض من العدو خطية مميتة، فليلزم باسم الطاعة باللجوء إلى خادمه المحلي. (15) وعلى جميع الاخوة الذين علموا بأنه خَطِئَ ألاٌ يخجلوه أو ينتقدوه، بل فلتكن لهم تجاهه رحمة كبيرة وليحيطوا خطيئة أخيهم بكتمان شديد، إذ ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى. (16) وكذلك فليلزموا باسم الطاعة بإرساله إلى حارسه بصحبة رفيق. (17) وليتدبر ذلك الحارس أمره برحمة مثلما يودٌ هو أن يتدبروا أمره إن وجد في حالة مماثلة. (18) وإن هو ارتكب خطيئة عرضية أخرى، فليعترف إلى أخيه الكاهن. (19) وإن لم يكن هناك كاهن فليعترف إلى أخيه، ريثما يعثر على كاهن يحلٌه قانونيا، كما قيل. (20) ولا يكوننٌ لهؤلاء سلطان لفرض كفٌارة أخرى سوى هذه: "اذهب ولا تعد بعد الآن إلى الخطيئة".

(21) ولكي يحفظ هذا النص على نحو أفضل، احمله معك حتى عيد العنصرة، حيث ستكون مع اخوتك. (22) وستسعون بعون الرب أن تُكْمِلوا هذه الأمور وكل الأشياء الأخرى الناقصة في القانون.

 

 

( إلى القديس أنطونيوس البادواني )


 

(1223-1224)

يتحدث توما من شيلانو، في سيرة القديس فرنسيس الثانية 163، عن تعليم فرنسيس حول الواعظين واللاهوتيين، ويذكر بأنٌ القديس فرنسيس نفسه كتب رسالة إلى القديس أنطونيوس البدواني، يستهلٌها بالعبارة التالية: "إلى الأخ أنطونيوس، أسقفي". لكنه، لم ينقل إلينا محتوى الرسالة التي وصلت إلينا في مجموعات من القرن الرابع عشر. لكن المؤرخ أرنو م سرٌ ن، في كتابه "الخدام العامٌون الأربعة والعشرون لرهبنة الأصاغر" يقول بأن أنطونيوس لما التحق برهبان القديس فرنسيس، بعد سماعه باستشهاد الاخوة الخمسة في مراكش، طلب منه الرهبان أن يقبل مسؤولية تعليمهم. لكنه لم يقبل بذلك الطلب، مهما كان عاجلا، قبل أن يحصل على الإذن من القديس فرنسيس. لذلك يرجٌح أنه جواب على طلب الإذن الخطيٌ، سمح فرنسيس للأخ أنطونيوس بأن يعٌم اللاٌهوت للاخوة. لكنه وضع شرطا واضحا استوحاه من الفصل الخامس، من القانون الثاني، الذي يتحدث عن العمل: على الاخوة، إن عملوا بأيدهم أو درسوا اللاٌهوت، ألاٌ يطفئوا روح الصلاة والتقوى. كتبت هذه الرسالة، على الأرجح بين 29 تشرين الثاني 1223، تاريخ تثبيت القانون النهائي، وبداية سنة 1224. وهي تكوٌن بداية تحول أساسي، إذ إنها تفتح الطريق للرهبنة أمام الدروس، وأمام فهم أهميتها في تنشئة الاخوة، وأمام الانخراط في الجامعات الكبرى.

(1) إلى الأخ أنطونيوس، أسقفي، سلام من الأخ فرنسيس.

(2) يطيب لي أن تدرٌس الاخوة اللاٌهوت المقدس، شرط ألاٌ تطفئ من خلال هذا الدرس روح الصلاة والتقوى، بحسب ما هو مكتوب في القانون.

 

 

( إلى الأخوة في فرنسا )


 

يذكر المؤرخ توما من إكلستن (القرن الثالث عشر)، في كتابه "مجيء الاخوة الأصاغر إلى إنكلترا"، (الكتاب السادس)، هذه الرسالة لكي يُظْهِر الظروف غير الاعتيادية لكتابتها (كتبها فرنسيس في العراء وتحت المطر لكن من دون أن يتبلّل)، وهي جزء من الأخبار التي سمعها من الأخ مرتينوس الذي قبل ذهابه إلى إنكلترا غالبا ما كان يلتقي القديس فرنسيس. لا نعرف شيئا عن محتوى هذه الرسالة إلاّ أن فرنسيس أراد، من خلال هذه الرسالة أن يدعو الاخوة إلى تسبيح الثالوث الأقدس. يعتبر البعض أن فرنسيس كتب هذه الرسالة خلال مجمع سنة 1221 أو 1222، لكن لا يوجد إثبات مقنع لذلك.

(1) (…) خلال ذلك المجمع نفسه، إذ كان الطوباوي فرنسيس في العراء تحت المطر من دون أن يتبلَّل كتب بيده رسالة إلى الخادم والاخوة في فرنسا،

(2) حتى إذا ما رأوا الرسالة تهلَّلوا بالتسابيح لله الثالوث، قائلين:

(3) "لنبارك الآب والابن والروح القدس".

 


( إلى قادة الشعوب )


 

(1220)


تُحدثنا سير حياة فرنسيس عن عادته تشجيع الرؤساء المدنيين على أخذ الحقائق الإنجيلية بعين الاعتبار. فهذه الرسالة إلى قادة الشعوب هي خير مثال لهمه هذا. فقد اكتشفها الأخ لوقا وادينغ في كتابات فرنسيسكو غونزاغا، الخادم العام للرهبنة بين سنة 1579 و1587. يقول الأخ فرنسيسكو إن يوحنا بارنتي، الخادم الإقليمي الأول لإسبانيا، ولاحقا الخادم العام للرهبنة حمل معه إلى إسبانيا نسخة عن هذه الرسالة، وهي النسخة الوحيدة التي وصلت إلينا. ولا شك في نسبتها إلى فرنسيس، إذ أن الأسلوب هو نفسه، ومحتواها شبيه بمحتوى الرسائل التي كتبها في هذه الفترة، والرسالة الثانية إلى الحرّاس تُثبت وجودها. من ناحية أخرى تعكس هذه الرسالة تأثيرات جديدة، سببها مجيئه إلى الشرق واختلاطه بالمسلمين والمسيحيين الشرقيين، لذلك كُتِبَت إثر عودته من الشرق.

(1) إلى جميع الحكام والقناصل والقضاة والقادة على الأرض كلها، وإلى جميع الآخرين الذين ستصل إليهم هذه الرسالة الأخ فرنسيس خادمكم الصغير في الرب الإله والمحتقر يتمنى لكم الصحة والسلام. (2) اعتبروا وتأملوا أن يوم الموت يقترب. (3) أرجوكم، إذا باحترام كما أستطيع ألا تنسوا الرب ألا تحيدوا عن وصاياه بسبب ما تواجهون هموم هذا الدهر ومشاغله، فإن جميع الذين ينسونه ويحيدون عن وصاياه هم ملعونون وسينساهم هو أيضا.

(4) وعندما سيحل يوم الموت، سيسلب منهم ما كانوا يظنون أنه لهم. (5) وبقدر ما كانوا حكماء وأقوياء في هذا الدهر ستكون كبيرة العذابات التي سيقاسونها في جهنم. (6) لذا، أنصحكم بحزم يا أسيادي بأن تضعوا جانبا كل هم وانشغال، وبأن تتناولوا جيدا جسد ربنا يسوع المسيح ودمه الكليي القداسة، لذكره المقدس. (7) ووسط الشعب، الذي أوكل إليكم قَدِّموا إكراما كثيرا للرب بحيث يعلن كل مساء بواسطة مُنادٍ أو بأي إشارة أخرى لكل الشعب، أن عليه أن يقدم للرب الإله، الكلي القدرة التسبيح والشكر. (8) وإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أن عليكم أن تؤدوا حسابا يوم الدينونة للرب إلهكم يسوع المسيح.

(9) وليعلم من يبقون هذه المدونة ويحفظونها أن الرب الإله يباركه.

 

 

( إلى سكان مدينة بولونيا )


 

(قبل ميلاد 1222)

هذه الرسالة هي إحدى الوثائق التي يعتبرها "إسَّار" وبعض الكُتّاب من "الأمالي". لم يصلنا نصُّها وعلى الأرجح لم يصل حتى محتواها الكامل. نجد المعلومات عن هذه الرسالة في "مجيء الاخوة الأصاغر إلى إنكلترا" (الكتاب السادس) للمؤرخ توما من إكلستن (القرن الثالث عشر). وهو ينقلها عن الأخ مرتينوس الذي قبل ذهابه إلى إنكلترا غالبا ما كان يلتقي بالقديس فرنسيس. ينقل إلينا الكثير من المؤرخين خبر وقوع هزة أرضية كبيرة في بولونيا (إيطاليا) يوم الميلاد سنة 1222. ويبدو أن القديس فرنسيس قد تنبأ بهذه الهزّة فكتب رسالة تحتوي أقلّه على هذه النبوءة وطلب من الاخوة قراءتها في مختلف أنحاء بولونيا. ومن المرجح أن السبب الرئيسي لهذه الرسالة ليس الهزة الأرضية بل موضوع آخر إذ أن ذلك لا يندرج ضمن منطق فرنسيس في المراسلة.


قال أيضا (الأخ مرتينوس من بارتونا)، إنَّ ثم أخاً، بينما كان يُصلّي في بريشيا يوم الميلاد وقعت هزة أرضية هدّمت الكنيسة فَوُجِدَ سالِماً تحت ركام الحجارة، تلك كانت الهزة الأرضية التي كان تنبّأ بها القدّيس فرنسيس، في رسالة جعل الاخوة يقرأونها في كل مدارس بولونيا وتلك الرسالة تحوي أخطاءً في اللغة اللاتينية.

 


( إلى السيدة جاكلين (جاكومينا) )


 

(أيلول / تشرين الأول 1226)

كانت السيدة جاكلين إحدى نبيلات روما، وأصبحت إحدى أهم أعضاء الرهبنة الثالثة. وكانت صديقة حميمة للاخوة إلى درجة أنٌ فرنسيس لقٌبها "بالأخ جاكلين". قبل وفاته ببضعة أيام، أراد فرنسيس أن يراها وأن تُحضر له بعض الأغراض مع الحلويات التي كان يحبها، فأملى هذه الرسالة وما إن انتهى من ذلك حتى وصلت مع الأغراض التي طلبها. لا شكٌ في مضمون هذه الرسالة، وفي أصالتها خصوصاً وأنها تصلنا من خلال مصادر عديدة.

ذات يوم، استدعى فرنسيس رفاقه: "تعلمون كيف أنٌ السيدة جاكلين من سيتٌيسولي كانت ولا تزال أمينةً جداً ومخلصةً لي ولجماعتنا الرهبانية.

لهذا السبب، أظنٌ أنكم إذا أطلعتموها على حالتي، فستعتبر ذلك بمثابة معروفٍ كبيرٍ وتعزية. بلٌغوها خصوصا أن تُرْسِل إليكم قماشاً رهبانيا رماديٌ اللون لثوب واحد، وهو قماش شبيه بقماش الرهبان السٌسترشيٌين في بلاد ما وراء البحار. ولْتُرسِل أيضاً من تلك الحلويات التي أعدٌتها لي مرات عديدة عندما كنت في روما". تلك الحلويات المصنوعة من اللوز والسكر أو العسل وغيرها من المكوٌنات، يسمٌيها الرومان "موستاتشولو" (...). فَكُتِبَت الرسالة كما قالَ الأب القديس.



( إلى القديسة كلارا وأخواتها حول الصيام )


 

نجد ذِكراً لهذه الرسالة، أو بالأحرى لهذه الوثيقة ومضمونها في الرسالة الثالثة للقديسة كلارا إلى أنياس، التي كُتِبَت على الأرجح سنة 1238. في هذه الوثيقة يعطي القديس فرنسيس بعض التعليمات للسيدات الفقيرات حول الصوم. لكن ذلك غير كافٍ لتحديد تاريخ تدوينها مع العلم أن بعضهم اقترح الفترة الممتدة بين بداية الحركة النسائية الفرنسيسية وحوالي سنة 1220/1221.

(1) والآن بالنسبة إلى الأمور التي طَلَبت أن أوضحها لكِ، أي ما هي الأعياد التي كما اعتقد أنك قدَّرت ذلك إلى حدٍّ معين نبَّهنا أبونا القديس فرنسيس الكُلَّي المجد إلى أن نحتفل بها بطريقةٍ مميزةٍ مع تنوعٍ في الأطعمة فكرت في انه عليَّّ الإجابة على محبتك.

(2) إن فطنتك تعلم بالطبع أنه باستثناء الضعيفات والمريضات اللواتي نبَّهنا وأمرنا بأن نستعمل تجاههن كل تمييز ممكن حيال أي نوعٍ من الطعام فيجب ألاَّ تأكل أي منا إن كانت سليمةً وقويةً سوى أطعمةٍ خاصةٍ بالصوم فقط، إن في أيام الأسبوع أو في الأعياد صائمةً كل يومٍ باستثناء الآحاد وميلاد الرب، التي يجب أن نأكل فيها مرتين في النهار.

(3) وأيام الخميس في الزمن العادي بإمكان كل واحدةٍ أن تتصرَّف كما تشاء بحيث أن من لا تشاء أن تصوم ليست مجبرةً على ذلك. (4) على أي حالٍ، علينا نحن السليمات أن نصوم كل يومٍ، باستثناء الآحاد والميلاد.

(5) خلال كل الزمن الفصحي كما تقول رسالةُ الطوباويّ فرنسيس وفي أعياد القديسة مريم والرُسُل القديسين لسنا ملزماتٍ بالوصم، إلاّ إذا صادفت هذه الأعياد يوم الجمعة.

(6) وكما قلتُ أعلاهُ نحن السليمات والقويات نأكلُ طعاماً خاصاً بالصوم.

 

 

(القانون الأول أو الغير مثبت )


 

(1209 ـ 1221)

ذهب فرنسيس مع رفاقه الأحد عشر إلى البابا إينوشنسيوس الثالث، أواخر سنة 1209، أو أوائل سنة 1210، لكي يُثبت له "نهج الحياة" الذي اختاره وكان يحمل معه نص النهج هذا الذي كتبه "بكلمات وجيزة وببساطة". والحبر الروماني ثبتها له شفهيا. لكن، مع تطور الجماعة ونموّها لم يعد القانون الوجيز قادراً على الاستجابة لمتطلبات الاخوة الجديدة. فكان المجمع العام السنوي وسيلة لتطوير القانون، وكان كل الاخوة يشاركون في وضع الأنظمة. ففي القانون أُضيفت وسيلة لتطوير القانون، وكان كل الاخوة يشاركون في وضع الأنظمة. ففي القانون أُضيفت تعليمات المجمع اللاّتراني الرابع، خصوصا ما يتعلق منه بالإفخارستّيا. أما التعديلات الأخيرة فكانت بين سنة 1220 ومجمع العَنْصَرة سنة 1221، الأمر الذي أدى إلى ولادة نص القانون الأول كما نعرفه اليوم. لكنه لم يُقَّدم إلى الكرسي الرسولي، لذلك نسميه: القانون الأول أو غير المثبت. بالرغم من ذلك، فهو لم يفقد قيمته بالنسبة إلى الرهبنة، فالقانون الأول هو وثيقة روحية وتاريخية ثمينة جداً، وضرورية لفهم الحياة الفَرَنْسيسية وعيشها.

تمهيد
(1) باسم الآب، والابن، والروح القدس!

(2) هذا هو نهج حياة إنجيل يسوع المسيح، الذي طلب الأخ فرنسيس من السيد البابا منحه إياه وتثبيته وقد وهبه إياه وثبته له، ولاخوته الحاضرين والمستقبلين. (3) فعلى الأخ فرنسيس، وكل من سيصبح على رأس هذه الجماعة الرهبانية، أن يَعِد طاعة، واحتراما للسيد البابا إينوشنسيوس وخلفائه. (4) وليلزم سائر الاخوة جميعهم بالطاعة للأخ فرنسيس، وخلفائه.

1. على الاخوة أن يعيشوا من دون أي شيء خاص، وفي العفة والطاعة

(1) إن قانون هؤلاء الاخوة وحياتهم هو: العيش في الطاعة، والعفة، ومن دون أي شيء خاص، واتباع تعليم وآثار ربنا يسوع المسيح الذي يقول: (2) "إن شئت أن تكون كاملاً، فاذهب وبِع كل ما هو لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء ثم تعال واتبعني". (3) "ومن أراد أن يتبعني، فلينكر ذاته، وليحمل صليبه، ويتبعني". (4) ويقول أيضا: "إن شاء أحد أن يأتي إليّ، ولم يبغض أباه وأمه، وزوجته، وأبناءه، واخوته، وأخواته، وحتى ذاته، لن يستطيع أن يكون لي تلميذاً". (5) "وكل من ترك أبا أو أمّا، اخوة أو أخوات، زوجة أو بنين، بيوتا أو حقولا، من أجلي سينال مئة ضعفٍ وسيرث الحياة الأبدية".

2. قبول الاخوة ولباسُهُم

(1) إن شاء أحد، بإلهام إلهي، اعتناق نهج الحياة هذا، وجاء إلى اخوتنا، فليستقبلوه بلطف. (2) وإن كان مصمما على اعتناق نهج حياتنا، فليحذر الاخوة من التدخل في شؤونه الزمنية، بل فليقدموه في أسرع وقتٍ إلى خادمهم. (3) وليستقبله الخادم بلطف، وليُشَدّدْهُ، وليشرح له بعناية فحوى حياتنا.

(4) وعندئذ، فليبع ذلك الشخص كل ما له، وليَسعَ إلى توزيعه كله على الفقراء، إن شاء ذلك، وإن استطاع تتميمه روحياً، وبلا عائق. (5) ولِيَحْذَر الاخوة، وخادم الاخوة، من التدخل في شؤونه بأية وسيلة، (6) ومن قبول أي مالٍ لا مباشرة، ولا بواسطة الغير. (7) ولكن، إن كان الاخوة في عوز، بوسعهم قبول أشياء أخرى ضرورية للجسد، ما عدا المال، بسبب الحاجة شأنهم شأن سائر الفقراء.

(8) وعندما يعود، فَلْيُسلّمه الخادم ثياب الاختبار، لمدة سنة، أي ثوبين بلا قَبّوع، وحَبْلة، وسراويل، وعطفا ينحدر حتى الحَبْلة. (9) وفي نهاية السنة، ولدى إنجاز مدة الاختبار، فليقبل في الطاعة. (10) وبعد ذلك، لا يُسمح له أن ينتقل إلى جماعة رهبانية أخرى، ولا أن يتيه خارج الطاعة، وفقا لأمر السيد البابا، وبحسب الإنجيل، إذ " ما من أحد يضع يده على المحراث، ثم يلتفت إلى الوراء، يَصلُح لملكوت الله".

(11) ولكن، إن جاء من لا يستطيع توزيع أملاكه، بلا عائق، ولكن لديه إرادة روحية في ذلك، فليترك أملاكه، ولذلك يكفيه. (12) وينبغي ألا يقبل أحد خلافا لنهج الكنيسة المقدسة، ونظامها. (13) وليكن لدى الاخوة الآخرين، الذين نذورا الطاعة، ثوب بقبّوع، وآخر بلا قبّوع، إن كان ذلك ضروريا إضافة إلى الحَبْلة والسَّروايل. (14) وليرتدِ جميع الاخوة ثيابا فقيرة، يستطيعون ترقيعها بأكياس وقطع أخرى ببركة الله. فالرب يقول في الإنجيل: "إن الذين يرتدون ثيابا ثمينة، ويعيشون في النعيم"، "والذين يرتدون الثياب الناعمة، يقيمون في بيوت الملوك". (15) وحتى لو قيل فيهم إنهم مراؤون، عليهم ألا يكفّوا عن فعل الخير، وألا يسعوا، في هذا الدهر، إلى اقتناء ثياب ثمينة، لكي يستطيعوا الحصول على ثوب في ملكوت السموات.

3. الفرض الإلهي والصوم

(1) يقول الرب: "هذا الجنس من الشياطين لا يُخرَج إلا بالصوم والصلاة". (2) ويقول أيضا: "إذا صمتم، فلا تُعبّسوا كالمرائين". (3) ولذلك، على جميع الاخوة، إكليريكيين كانوا أم علمانيين، أن يتلوا الفرض الإلهي والتسابيح والصلوات، كما هو مطلوب منهم.

(4) على الإكليريكيين أن يتلوا الفرض الإلهي، ويُصلّوه من أجل الأحياء والأموات، كما هي العادة عند الإكليريكيين. (5) وليتلوا، كل يوم، عن مخالفات الاخوة، وإهمالهم، "ارحمني يا الله" مع "الأبانا". (7) ويمكن أن تكون لديهم، فقط الكتب الضرورية لتلاوة فرضه. (8) ويُسمح للعلمانيين القادرين على قراءة كتاب المزامير، أن يقتنوا واحدا. (9) أما الآخرون الذين لا يجيدون القراءة فلا يسمح لهم باقتناء كتاب. (10) وليتلُ العلمانيون "قانون الإيمان"، وأربعا وعشرين مرة "الأبانا" مع "المجد للآب"، لصلاة منتصف الليل، وخمس مرات لتسابيح الصباح، أما للساعة الأولى، فليتلوا: "قانون الإيمان"، وسبع مرات "الأبانا" مع "المجد للآب". وللساعة الثالثة والسادسة والتاسعة فليتلوا في كل منها، سبع مرات ولصلاة الغروب، اثنتي عشرة مرة، ولصلاة النوم، فليتلوا "قانون الإيمان"، وسبع مرات "الأبانا" مع "المجد للآب"، ومن أجل راحة الأموات، فليتلوا سبع مرات "الأبانا" مع "الراحة الأبدية" وتكفيراً عن نقائص الاخوة، وإهمالهم، فليتلوا ثلاث مرات "الأبانا" كل يوم.

(11) وكذلك، فليصم جميع الاخوة من عيد جميع القديسين حتى عيد الميلاد ومن عيد الغطاس، عندما شرع ربنا يسوع المسيح يصوم حتى عيد الفصح. (12) ولا يُفرض عليهم الصوم في الأزمنة الأخرى، وفق نهج الحياة هذا، سوى أيام الجمعة. (13) وليسمح لهم بأن يتناولوا من جميع الأطعمة التي تقدم لهم وفقا للإنجيل.

4. العلاقة بين الخُدّام وسائر الاخوة

(1) باسم الرب!

(2) على جميع الاخوة الذين أُقيموا خُدّاما وخدما لسائر الاخوة، أن يوزعوا اخوتهم على الأقاليم، والأمكنة التي يقيمون فيها، وليزوروهم غالبا، ولينبهوهم روحيا، ويُشدّدْوهم. (3) وعلى جميع اخوتي الآخرين المباركين أن يطيعوهم بدقة، فيما يتعلق بخلاص النفس ولا يتعارض مع نهج حياتنا.

(4) وليفعلوا فيما بينهم مثلما قال الرب: "كل ما تريدون أن يفعله الناس لكم، افعلوه أنتم لهم". (5) "وما لا تريد أن يفعله الآخرون لك، لا تفعله أنت لهم". (6) وليذكر الخُدّام ما يقول الرب: "لم آت لأُخْدَم بل لأَخدُم"، وليذكروا أيضا، أن خدمة نفوس الاخوة قد أُوكلت إليهم، وإن فُقِدَ أحد بذنبهم، أو وبسبب قدوتهم السيئة، فعليهم أن يؤدوا عن ذلك حسابا يوم الدينونة أمام الرب يسوع المسيح.

 

 

( القانون الثاني المثبت أو المعتمد )


 

(1223)

إن القانون الأول الذي كتبه فرنسيس على مراحل، وقدٌمه إلى المجمع العام سنه 1221، لم يلق موافقة الاخوة. فبإيحاء من الكاردينال هوغولينو، ومن الاخوة انفرد فرنسيس مرة أخرى مع اثنين من اخوته في فونتي كولومبو، خلال شتاء سنة 1222 و1223، ليعيد النظر في القانون، ويختصره ويجعله أكثر تسلسلا من الأول. وفي ربيع 1223، ذهب فرنسيس إلى روما ليستشير الكاردينال هوغولينو، محامي الرهبنة. ثم في المجمع العام، في 11 حزيران 1223، اقترح الرؤساء الإقليميون تعديلات حول النص. طبعا نحن لا نعرف ما هي كل التعديلات التي جرت على النص النهائي للقانون الثاني، لأنه كان في حالة تحوٌل خلال كل هذه الفترة قبل تثبيته نهائيا. وبالرغم من كل هذه التحولات، كان فرنسيس يتبنى هذا القانون، ويعتبره قانونه أو القانون على الإطلاق. تتبع الرهبنة الأولى بفروعها الثلاثة هذا "القانون الثاني" الذي ثبته البابا هونوريوس الثالث، في 29 تشرين الثاني 1223، ببراءة بابوية (Solet annuere ). بين كل كتاباته فالقانون الثاني هو أكثر الكتابات التي تظهر وجود مساعدين. لكن، على الرغم من ذلك، حضور فرنسيس واضح جدا وهو الأكثر حضورا، خصوصا من خلال العبارات الخاصة به. فهو وحده يقدر أن يأمر بحزم، وهو وحده كان يهتزٌ بالحنان نحو اخوته، وهو وحده كان قادرا على مدح الفقر بشاعرية جميلة، وصوفية عميقة. فلا شك في أن هذه الصيغة الثانية للقانون تعكس نظرته الإنجيلية.

من أونوريوس،

الأسقف، وخادم خدام الله،
إلى الأبناء الأعزاء،
الأخ فرنسيس، وسائر الاخوة،
في رهبنة الاخوة الأصاغر،
تحية وبركة رسولية.

لقد ألف الكرسي الرسولي أن يستجيب الطلبات التقية ويلبي باهتمام وعطف رغبات الطالبين الصادقة. ولذلك أيها الأبناء الأعزاء في الرب، ونزولا عند توسلاتكم التقية، نثبت لك بسلطتنا الرسولية. ونزوٌد بحماية هذا الكتاب، قانون رهبتكم المدوٌن هنا والذي سبق أن وافق عليه سلفنا، البابا إينوشنسيوس، الطيب الذٌكر. ونص هذا القانون هو التالي:

1. باسم الرب، يبدأ نهج حياة الاخوة الأصاغر
(1) إنٌ قانون الاخوة الأصاغر وحياتهم هو: حفظ إنجيل ربنا يسوع المسيح المقدس بالعيش في الطاعة، ومن دون أي شيء خاص، وفي العفة. (2) إنٌ الأخ فرنسيس يعد طاعة واحتراما للسيد البابا هونوريوس، وخلفائه المنتخبين انتخابا قانونيا، وللكنيسة الرومانية. (3) وليلزم سائر الاخوة بالطاعة للأخ فرنسيس وخلفائه.

2. في من يريدون اعتناق نهج الحياة هذا، وفي كيفية قبولهم
(1) إن كان ثمة من يشاءون اعتناق نهج الحياة هذا، وجاءوا إلى اخوتنا، فليرسلهم هؤلاء إلى خدامهم الإقليميين، الذين يُمْنَح لهم وحدهم دون سوهم الإذن بقبول الاخوة. (2) وليفحصهم الخدام بعناية فيما يتعلق بالإيمان الكاثوليكي، وأسرار الكنيسة. (3) فإن كانوا يؤمنون بكل ذلك، ويريدون الاعتراف به بأمانة، وحفظه بثبات حتى النهاية. (4) وإن كانوا من دون زوجات، أو إن كان لهم زوجات دخلن ديرا، أو كنٌ في سنٌ لا يثير الشبهات، فأعطينهم إذنا بذلك، بموافقة أسقف الأبرشيّة، بعد إبرازهنٌ نذر العفة. (5) فليقل (الخدام) لهم كلام الإنجيل المقدس بأن يذهبوا ويبيعوا كل ما لهم، وليسعوا إلى توزيعه على الفقراء. (6) وإن تعذٌر عليهم تتميم ذلك، فيكفيهم حسن النية. (7) وليحذر الاخوة وخدامهم من التدخل في أمورهم الزمنية، بل فليدعوهم يتصرفون بها بحرية وفقا لما يلهمهم به الرب. (8) ولكن إن هم طلبوا مشورة، فليسمح للخدام بأن يرسلوهم إلى أشخاص يخافون الله، فبمشورة هؤلاء يوزعون خيراتهم على الفقراء.

(9) بعدئذ فليسلموهم ثوب الاختبار، أي ثوبين بلا قبٌوع، وحبلة، وسراويل، ومعطفا ينحدر حتى الحبلة. (10) ما لم يرى أحيانا هؤلاء الخدام رأيا آخر يلهمهم به الله. (11) في نهاية سنة الاختبار، فليقبلوا في الطاعة، وليعدوا بحفظ هذه الحياة والقانون دائما. (12) ولا يُسْمِح لهم بأي شكل من الأشكال الخروج من هذه الجماعة الرهبانية، وفقا لأمر السيد البابا. (13) لأنه بحسب الإنجيل المقدس، "ما من أحد يضع يده على المحراث، ثم يلتفت إلى الوراء، يصلح لملكوت الله". (14) وليكن لمن نذروا الطاعة ثوب بقبٌوع، وإن شاءوا آخر بلا قبٌوع. (15) وبإمكان من تضطرهم الحاجة أن ينتعلوا أحذية. (16) وليرتدِ جميع الاخوة ملابس فقيرة، يستطيعون ترقيعها بأكياس، وقطع أخرى ببركة الله.

(17) وإني أنبههم وأناشدهم ألاٌ يزدروا أو يدينوا من يرون من الناس مرتدين الألبسة الناعمة والملوثة، ويتناولون الأطعمة والمشروبات الفاخرة، بل بالحري فليزدر وبدون كل واحد ذاته.

3. الفرض الإلهي، والصوم، وكيف يجب أن يذهب الاخوة في العالم
(1) فليتلُ الإكليريكيون الفرض الإلهي، وفقا لطقس الكنيسة الرومانية، ما عدا كتاب المزامير. (2) ولذلك يمكن أن يكون لديهم كتب الفرض المختصر. (3) فليتلُ العلمانيون، أربعا وعشرين مرة "أبانا" لصلاة منتصف الليل، وخمس مرات لتسابيح الصباح، وسبع مرات لكل من الساعات الأولى، والثالثة، والسادسة، واثنتي عشرة مرة لصلاة الغروب، وسبع مرات لصلاة النوم. (4) وليصلّوا من أجل المتوفين.

(5) وليصوموا من عيد جميع القديسين، حتى عيد ميلاد الرب. (6) أما الصوم المقدس الذي يبدأ من عيد الغطاس، ويدوم أربعين يوما متتابعا، والذي كرَّسَهُ الرب بصومه المقدس، فليبارك الرب من يصومه طوعا، أما من لا يريدون صومه، فليسوا بمجبرين. (7) ولكن، فليصوموا الصيام الآخر، حتى قيامة الرب. (8) وفي الأزمنة الأخرى، لا يفرض عليهم الصوم سوى أيام الجمعة. (9) وفي زمن الحاجة الجليٌة، لا يلزم الاخوة بالصوم الجسدي.

(10) إنني أنصح وأنبه وأناشد اخوتي في الرب يسوع المسيح: عندما يذهبون في العالم، فليمتنعوا عن الخصام، والمشاجرة بالكلام، وإدانة الآخرين. (11) بل فليكونوا ودعاء، ومسالمين، وبسطاء، وحُلَماء، ومتواضعين، وليكلموا الجميع بصدق، كما يليق. (12) وليتجنبوا ركوب الخيل، ما لم تضطرهم إلى ذلك ضرورة بيٌنة، أو مرض. (13) وأيٌ بيت دخلوا، فيقولوا أولا: سلام لهذا البيت. (14) ووفقا للإنجيل المقدس، فليسمح لهم بأن يتناولوا من جميع الأطعمة التي تقدم لهم.

4. على الاخوة ألاٌ يقبلوا مالا
(1) آمر بحزم كل الاخوة ألاٌ يقبلوا بأية وسيلة دراهم أو مالا بأنفسهم، أو عن طريق شخص آخر. (2) ولكن من أجل حاجات المرضى، ومن أجل إكساء سائر الاخوة، فليهتم أحسن اهتمام، الخدام، والحراس وحدهم بواسطة أصدقاء روحيين، ووفقا للأمكنة والأزمنة، والمناطق الباردة، حسبما يرون مناسبا للحاجة. (3) ودائما بشرط ألاٌ يقبلوا دراهم أو مالا، كما سلف.

 

 

( نصائح وتوصيات )


 

في العصور الوسطى لم تكن "التوصيات" تنبيهات بل كانت تُقدَّم نصاً أو فكرةً من الكتاب المقدس، على ضوئها تعرض التطبيق العلمي. لذلك فتوصيات القديس فرنسيس تعكس رؤيته الكتابية، وكيفية ترجمته إياها في الحياة اليومية. على الرغم من أن بعض التوصيات تعكس شيئا من الإطار التاريخي الذي جعلها تُبصر النور، يصعب تحديد تاريخها. ليست التوصيات مؤلفاً موحداً مترابطاً ذا مضمون واحد. إنما هي ثمانية وعشرون فصلا مختلفة المضمون والحجم وهي غير مترابطة بعضها ببعض. لا أحد يشك في نسبتها إلى فرنسيس فهي موجودة في كل مجموعات القرن الثالث عشر. الأمر الذي يعكس أهميتها بالنسبة إلى الاخوة منذ السنوات الأولى. فالأسلوب بسيط جدا والمنهجية التي يعتمدها فرنسيس في التوصيات هي وضع الاضداد، الواحد بالقرب من الآخر لكي يصبح الكلام أكثر تأثيرا مثلا: الخير والشر، الفضائل والرذائل، …. وهو يُقدَّم لنا القيم الفرنسيسية ليس من ناحية نظرية إنما من ناحية الواقع الملموس وضمن اختبار حياتي. فهذه التوصيات هي قاعدة لحياة مسيحية وهي تحمل أسس نظرته إلى الإنسان في عظمته وفي فقره وهي جديرة بأن يُطلق عليها اسم "نشيد الصغر". همُّ فرنسيس هو أن يزيل من قلب الإنسان كل رغبة في التملك: تملك الأشياء أو الذات أو الخيرات التي يصنعها الرب فيه أو كل أشكال السلطة أو حتى تملّك الأشياء أو الذات أو الخيرات التي يصنعها الرب فيه أو كل أشكال السلطة أو حتى تملك كلمة. أهم هذه التوصيات واشهرها هي التوصية الأولى التي تُشدَّد بعمق لاهوتي وصوفي على احترام الإفخارستيا وعلى معنى هذا السر كاستمرار لسر التجسد وكتحقيق لوعد الرب بأن يبقى دائما معنا. بعد التوصية الثاني عشر تبدأ "التطويبات الفرنسيسية": وهي قراءة فرنسيسية للتطويبات الإنجيلية، تبدأ بكلمة "طوبى". أخيرا في التوصيات نجد الكثير من التقارب في المضمون مع القانون الأول.

 

 

( قانون المحابس )


 

(1217 ـ 1221)

هذه الوثيقة هي ثمرة اختبار فرنسيس المزدوج: حبٌّ مُتَّقِدٌ للوحدة مع الله، وحب للحياة الأخوية. بكلمات بسيطة يضع فرنسيس قانونا للمحابس، لا يمكن تجاوزه من حيث البساطة والغنى. يقوم أخوان بمهمة الابنين، وآخران بمهمة الأمين. يعيش الولدان في العزل والتأمل بينما يقوم الآخران بالخدمة لكنهم يجتمعون عند صلاة الصباح، وفي أوقات الصلاة، مع العلم أن العيش في المحبسة بالنسبة إلى فرنسيس لم يكن إلى مدى الحياة. فكان يجمع بهذه الطريقة بين الصلاة والرسالة. إن سير حياة فرنسيس تملؤها أسماء المحابس والصوامع. وهذا يدل على أن الحياة النُّسكية في بداية الرهبنة كانت منتشرة للغاية. لكن بالرغم من أن هذه الوثيقة تعكس الكثير من عناصر الحياة النُّسكية التقليدية: الانفصال عن العالم، والقلاَّية الفردية وتقليد مرتا ومريم فإنها تُعبّر أيضا عن الميزات الفرنسيسية الخاصة كالحياة الأخوية، وطلب الحسنة ودور الخادم الإقليمي والحارس وزيارتهما. من ناحية أخرى نجد نص هذه الوثيقة القيمة في أقدم مجموعة لكتابات القديس فرنسيس (خطوط أسيزي رقم 338)، وفي مخططات القرن الرابع عشر والخامس عشر. فبالنسبة إلى عنوان هذه الوثيقة أعطى العلماء إمكانيات لا تحصى (قانون المحابس، السكن في المحابس بتدين، وثيقة التنسّك ….الخ)، إذ أن مخطوط أسيزي (رقم 338)، على عكس المخطوطات الأخرى لا يضع أي عنوان ولا يضع الآية الأخيرة. أما بالنسبة إلى تاريخ هذه الوثيقة فقد كتبت بعد سنة 1217، تاريخ تقسيم الرهبنة إلى أقاليم، وعلى الأرجح قبل 1221، أي قبل تدوين القانون الأول بصيغته النهائية. إلا أن بعض العلماء يعتبرن أنها دوّنت بين 1223 (أي بعد القانون الثاني) و1224.

(1) على من يريدون أن يكونوا بطريقة رهباني في المحابس أن يعيشوا ثلاثة اخوة أو أربعة، على الأكثر. وليكن اثنان منهم أُمّيْن وليكن لهما ابنان، أو واحد على الأقل.

(2) وعلى الاثنين القائمين بدور الأم، أن يعيشا حياة مرتا وعلى الابنين أن يعيشا حياة مريم، وليكن لهم مكان مُسيّج حيث لكل واحد قلاّية يصلي ويرقد فيها.

(3) وليتلوا دائما صلاة النوم الخاصة باليوم فورا بعد غروب الشمس وليجهدوا في الحفاظ على الصمت، وليتلوا صلوات الساعات ولينهضوا لصلاة منتصف الليل، وليطلبوا أولا ملكوت الله، وبره. (4) وليتلوا صلاة الساعة الأولى في الوقت المناسب وبعد صلاة الساعة الثالثة فليكفوا عن الصمت وليستطيعوا التكلم والذهاب إلى الأمّين. (5) وعندما يطيب لهما بإمكانهما أن يطلبا منهما الإحسان، حبا بالرب الإله، شأن الفقراء الصغار. (6) وبعد ذلك، فليتلوا صلوات الساعة السادسة، والساعة التاسعة، وليتلوا صلاة الغروب، في الوقت المناسب.

(7) وعليهم ألا يسمحوا لأحد بالدخول إلى المكان المُسيّج حيث يقيمون وألا يتناولوا الطعام فيه. (8) وعلى الأخوين القائمين بدور الأم أن يجهدا في البقاء بعيدين عن كل إنسان، وطاعة لخادمهما، فليحرسا ابنيهما من كل إنسان بحيث لا يكون باستطاعة أي كان أن يكلمهما. (9) ولا يتكلم الابنان مع أي إنسان، إلا مع أميهما ومع خادمها وحارسهما عندما يطيب له أن يزورهما ببركة الرب الإله. (10) وليَتَوَلّ الابنان بين حين وحين، مهمة الأمّين بالتناوب ولمدة يتم الاتفاق عليها. وليجهدوا في حفظ كل ما ذُكر أعلاه بعناية ودأب.

 

( مقتطفات من القانون )


 

(1209-1223)

نجد أجزاء كثيرة وكبيرة، من نص يطابق في جوهره نص القانون الأول، تحتويها وثائق متنوعة، للمثال: السيرة الثانية للقديس فرنسيس التي دوَّنَها توما من شيلانو، والتعليق على القانون من قبل الأخ هوغ من دينه، في منتصف القرن الثالث عشر، والمخطوط "ك 27" الموجود في مكتبة كاتدرائية ورتشستر (إنكلترا)، والعائد إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر. فبينما هوغ يعالج شرحا قانونيا، رأينا مخطوط ورتشستر يحتوي على أبحاث مختلفة حول التوبة، مأخوذة من روحانية القديس أغوسطينوس، والقديس فرنسيس. من ناحية أخرى، تختلف تلك المقتطفات بعض الاختلاف عن نص القانون الأول، الأمر الذي جعل الكثير من العلماء الفرنسيسيِّين يرون فيها صيغة للقانون الأول مختلفة عن الصيغة المعروفة. وإذا صحَّ اعتقادهم، فقد تُشَكِل هذه المقتطفات مرحلة من مراحل تدوين القانون وتطويره، وقد تعبٌر عن مفهوم النٌهج الإنجيلي، لدى فرنسيس وأتباعه الأوائل.

1. المقتطفات في مخطوط كاتدرائية ورتشستر
(1) فلننتبه جميعنا، أيها الاخوة إلى ما يقوله الرب: "أحبوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم". إذ إنٌ ربنا يسوع المسيح، الذي علينا أن نقتفي آثاره، قد دعا خائنه صديقا، وقدٌم ذاته تلقائيا، لصالبيه. (2) إنهم إذا أصدقاء لنا، كل الذين يسببون لنا ظلماً، الشدائد والضيقات، والتٌعييرات، والإهانات، والأوجاع والآلام، والاستشهاد، والموت. علينا أن نُحِبَّهم حباً شديداً، فمن جراء ما يلحقونه بنا، تكون لنا الحياة الأبدية.

(3) ولنعاقب جسدنا صالبين إياه برذائله، وشهواته، وخطاياه، إذ إنه يَحِملُنا على العيش وفقا للجسد، ويرمي إلى سلبنا حبٌ يسوع المسيح، والحياة الأبدية، وإلى إرسال ذاته مع النفس إلى جهنم. (4) فنحن بذنبنا كُنّا نَتِنين، ومقاومين للخير، ومستعدين للشر، وميالين إليه، (5) على حدٌ قول الرب: "من القلب تنبعث، وتخرج الأفكار الشريرة، الخ.....".

(6) لكن، بعد أن تركنا العالم، فما علينا سوى اتباع مشيئته بعناية، وإرضائه. (7) فلنحذر من أن نكون الأرض الموضوعة على حافة الطريق، أو الأرض الصخرية، أو تلك التي تتكاثر فيها الأشواك، على حدٌ ما يقول الرب في الإنجيل: "الزرع هو كلمة الله. ما سقط على حافة الطريق وداسته الأقدام، الخ... حتى :(8) يؤتون ثمراً بالصبر".

(9) ولذلك، يا جميع الاخوة، فَلْنَدْعِ الأموات يَدفِنون موتاهم، على حدٌ قول الرب. (10) ولنحذر كثيرا من خبث الشيطان ومكره، فهو يبتغي ألاٌ يدع الإنسان يوجٌه قوته، وقلبه صوب الرب الإله. (11) إنه يطوف ساعيا بذريعة مكافأة أو عون ما إلى الاستيلاء على قلب الإنسان، وخنق كلام الرب ووصاياه، وانتزاعها من ذاكرته، ويريد السكن في قلب الإنسان، وإعماءه بشؤون العالم، وهمومه، على حدٌ قول الرب: (12) "إنٌ الروح النجس، الخ.... حتى: (13) فتكون حالة ذلك الإنسان الأخيرة، أسوأ من حالته الأولى".

(14) فلنحذر جيداً، جميعنا يا اخوتي من أن نتذرٌع بعمل، أو بمكافأة، أو بمساعدة ما، فنفقد فكرنا وقلبنا، أو نحوٌلهما عن الرب. (15) لكنني، بالمحبة التي هي الله، أرجو جميع الاخوة الخدٌام والآخرين، أن يزيحوا كل عائق، ويضعوا جانبا كل همٌ وقلق ويسعوا على أفضل وجه إلى حبٌ الرب الإله، وخدمته، وعبادته بقلبٍ طاهرٍ، وفكرٍ نقي فليفعلوا ما يطلبه هو فوق كل شيء. (16) ولنجعل دائما مقاما ومسكنا له، هو الرب الإله الكلي القدرة، الآب، والابن، والروح القدس، الذي قال: "اسهروا إذاً وصَلٌوا في كل حين لكي توجدوا أهلا للنجاة من جميع الشرور الآتية. وللمثول أمام ابن الإنسان". "وعندما تقومون للصلاة، قولوا: أبانا". (17) ولنعبدهُ بقلبٍ نقيٍ، إذ ينبغي أن نصلي دائما ولا نملٌ. فالآب ينشد مثل أولئك العابدين. (18) إنٌ الله روح، وعلى من يعبدونه أن يعبدوا بالروح والحق. (19) ولنلجأ إليه لجوءنا إلى راعي نفوسنا وحارسها، وهو القائل: "أنا الراعي الصالح، الخ... حتى: أبذل نفسي في سبيل خرافي". (20) "أنتم جميعكم اخوة، فلا تدعوا أحداً أباً لكم في الأرض،الخ... (21) ولا تدعوا أحداً يدعوكم معلمين، الخ... (22) إن ثبتم فيٌ، وثبت كلامي فيكم، فاسألوا ما شئتم، يكن لكم. (23) حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، الخ... (24) وها أنذا معكم كل الأيام، الخ... (25) والكلام الذي قلته لكم هو روح وحياة. (26) أنا الطريق والحق والحياة".

(27) فلنتمسك إذاً بأقوال وبتعليم وبحياة وبإنجيل ربنا يسوع المسيح، الذي تنازل وصلٌى، من أجلنا للآب، وأظهر لنا اسمه بقوله: "يا أبت، لقد أظهرتُ اسمك للناس، الخ... حتى: (28) يا أبتٍ، إنٌ الذين وهبتهم لي، أريد أن يكونوا معي حيث أكون، لكي يشاهدوا مجدك في ملكوتك". (29) المجد للآب وللابن وللروح القدس كما كان في البدء والآن وعلى الدوام وإلى دهر الداهرين. آمين.

(30) ولْيُظِهر الاخوة للفقراء ، حبٌ بعضهم لبعض على حدٌ قول الرسول: "لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان، الخ...". (31) فليحذر جميع الاخوة أينما كانوا من النظر الشرير، ومن معاشرة النساء. ولا يتحدثن أحد منهم معهنٌ بمفرده. أدناه: (32) ولنحتفظ جيدا بذواتنا، وبأعضائنا كلها طاهرة، فالرب يقول: "من نظر إلى امرأة كي يشتهيها، الخ...". أدناه: (33) عندما يذهب الاخوة في العالم، عليهم ألاٌ يحملوا "للطريق شيئا، لا كيساً للدراهم، ولا خِرْجاً، ولا خبزا، ولا مالا، ولا عصا، ولا حذاء".أدناه: (34) "وليحرصوا ألا يقاوموا الشرير، بل إن ضربهم أحد على خد، فليديروا له الآخر أيضا. (35) وإن سلبهم أحد معطفهم. فلا يمنعوه ثوبهم، وإن سلبهم ما هو لهم، فلا يطالبوا به".

(36) بإمكان الاخوة الذين يذهبون بإذن من خادمهم بين غير المؤمنين، أن يعيشوا روحيا، بطريقتين. (37) إحداهما هي الامتناع عن أي جدال أو نقاش، والخضوع لكل خليقة بشرية، من أجل الله، والاعتراف بأنهم مسيحيون. (38) والطريقة الأخرى هي، عندما يبدو أنٌ ذلك يرضي الرب، إعلانهم كلمة الله، كي يؤمنوا بالله الآب الكلي القدرة، والابن والروح القدس. أدناه: (39) وليذكر جميع الاخوة، أينما كانوا، أنهم وهبوا ذواتهم، وأودعوا ذواتهم وأجسادهم لربنا يسوع المسيح. (40) وحبا به، عليهم أن يحتملوا الاضطهاد والموت من الأعداء المنظورين، وغير المنظورين، الخ... أدناه (41) فيعظ جميع الاخوة بأعمالهم.

(42) لا يتملكنٌ أي خادم أو أي واعظ خدمة أو مهمة الوعظ، بل عليه أن يتخلٌى عن مهمته هذه، متى يُؤْمَر بذلك. (43) ومن ثم، أتوسل، بالمحبة التي هي الله، إلى جميع اخوتي الوعٌاظ، والمصلين، والعاملين، الإكليريكيين والعلمانيين، أن يجهدوا في الاتٌضاع في كل شيء، (44) وألاٌ يتباهوا، وألاٌ يفرحوا في ذواتهم، وألاٌ يفتخروا داخليا بالأقوال والأعمال الصالحة، وبأيٌ خير، على الإطلاق يحققه الله أو يقوله أو يعمله، في أي وقت، فيهم وبهم حسب قول الرب: "لا تفرحوا بأنٌ الأرواح تخضع لكم، الخ...".

(45) ولنعلم علم اليقين أنٌ لا شيء يخصنا، سوى رذائلنا وخطايانا، (46) لكن، علينا بالحريٌ أن نبتهج عندما نقع في مضايق مختلفة، وعندما سنتحمل كلٌ أنواع ضيقات النفس والجسد، وشدائدهما في هذا العالم من أجل الحياة الأبدية. فلنحذر إذا، جميعنا من الكبرياء والمجد الباطل. (47) ولنحفظ ذواتنا جيدا من حكمة هذا العالم، ومن فطنة الجسد. (48) إذ إنٌ روح الجسد يبتغي امتلاك الأقوال، ويبذل في سبيلها جهداً جماً، ولكنه لا يعبأ بالأعمال، (49) ولا يتطلع إلى العبادة والقداسة في الروح، إنما يريد ويرغب في عبادة وقداسة تتجليان ظاهريا للناس. (50) وعن هؤلاء يقول الرب: "الحق أقول لكم: لقد نالوا أجرهم". (51) غير أنٌ روح الرب يريد أن يُمات الجسد، ويُزدرى، ويُحتقر، ويُرذل، ويُعتبر مخزيا. (52) وهو يسعى إلى التواضع، والصبر، وبساطة الروح النقية، وسلامه الحقيقي. (53) وهو فوق كل شيء يرغب في المخافة الإلهية، والحكمة الإلهية، والحب الإلهي، حب الآب والابن والروح القدس.


(54) ولنردٌ إلى الرب الإله العليّْ والأسمى كلٌ الخيرات ولنعترف بأنٌ كل الخيرات هي له.

(55) وليحصل هو على كل إكرام وإجلال، وكل تسبيح وبركة، وكل شكر ومجد:
له كل صلاح وهو الصالح وحده.

(56) وعندما نسمع إنسانا يقول الشر،  أو يُجَدِّف على الرب،

فلنصنع الخير نحن ولنقله ولنسبح الله الذي هو مبارك مدى الدهور.

(57) ولنعتبر كل رجال الإكليروس والرهبان كأسيادنا، فيما يتعلق بخلاص النفس، وفي ما لا يبعدنا عن جماعتي الرهبانية. ولنكرم في الرب رتبتهم، وخدمتهم، ومهمتهم. أدناه: (58) وبوسع كل الاخوة، بقدر ما يلهمهم الله، إعلان هذه المناشدة أو هذا التسبيح، أو ما يشبههما بين كل الناس ببركة الله وبإذن خادمهم:

(59) اتقوا وكَرِّموا، سبِّحوا وباركوا اشكروا واعبدوا،
الرب إلهنا الكلي القدرة في الثالوث والوحدة، الآب والابن والروح القدس  خالق الأشياء كلها.

(60) توبوا،  واثمروا ثمارا تليق بالتوبة لكي تعلموا بأننا سنموت قريبا.

(61) "أعطوا تُعْطوا".

(62) اغفروا يُغْفَر لكم.

(63) وإن لم تغفروا  لن يغفر لكم الرب خطاياكم. اعترفوا بكل خطاياكم.

(64) طوبى لمن يموتون في التوبة، فإنهم سيكونون في ملكوت السماوات.

(65) والويل لمن لا يموتون في التوبة، إذ إنهم سيكونون أبناء إبليس الذين يعملون أعماله، وسيذهبون إلى النار الأبدية.

(66) احذروا كل شرٍ وامتنعوا عنه، وثابروا في الخير حتى النهاية.

(67) فليحذر جميع الاخوة، أينما وُجِدوا، في المناسك أو في أماكن أخرى، من تملٌك مكان أو أي شيء، والذٌود عنه ضد أيٍ كان. (68) وإن جاءهم أحد، صديق أو خصم، فليمتنعوا عن النقاش معه، بأي شكل من الأشكال. (69) وحيثما وُجِدَ الاخوة، وفي أي مكان التقوا يجب أن يزوروا ويُكرِّموا بعضهم بعضا، روحيا وبعناية وبلا تذمر. (70) وليحذروا من أن يظهروا خارجيا حزانى أو معبٌسين كالمرائين، بل فليبدوا فرحين في الرب، مبتهجين، بشوشين، وحسني المعشر كما يليق.

(71) إنني لأرجو كل أخ مريض إذ يشكر الخالق عن كل شيءٍ، أن يرغب في أن يكون مثلما يشاء له الله أن يكون، معافى أو مريضا، فبمنخس المصائب والأمراض، وبروح الندم، يؤدب الرب كل الذين أعدهم للحياة الأبدية، على حد قوله: "من أحبهم، الخ...". (72) لذلك أرجو جميع اخوتي المرضى، ألاَّ يغضبوا أو يضطربوا في أمراضهم حيال الله أو حيال الاخوة، وألاّ يرغبوا بإلحاحٍ كبير في الأدوية أو تحرير جسد سينتهي قريبا إلى الموت وهو عدو للنفس.

(73) فليجتهد جميع الاخوة في الاقتداء بتواضع ربنا يسوع المسيح وبفقره، وليذكروا أنٌ عليهم ألاٌ يملكوا من العالم كله سوى ما يقول الرسول: "إن كان لدينا ما نأكل وما نلبس، فحسبنا ذلك، لنرضى". (74) وعليهم أن يبتهجوا عندما يعيشون وسط أشخاص محتقرين، ومزدرين، وسط الفقراء والضعفاء، والمرضى والبُرْص، والمتسولين على الطرقات. (75) وإن اقتضت الضرورة فليطلبوا الإحسان. (76) وعليهم ألاٌ يخجلوا من ذلك، لأن ربنا يسوع المسيح، ابن الله الحي والكليّ القدرة جعل وجهه كالصوان، ولم يخجل. (77) وكان فقيراً وضيفاً، وعاش من الإحسان، هو والعذراء الطوباوية، أمه مريم القديسة والتلاميذ. (78) وإذا ما عَيٌرهم الناس، وأمسكوا عنهم العطاء، فليشكروا الرب. فلقاء هذه الإهانات سينالون إكراما عظيما أمام منبر ربنا يسوع المسيح.

(79) وليعلموا أنٌ العار لا يمس من ينصب عليهم، بل خصوصا أولئك الذين يُلْحِقونه بالآخرين، (80) وأنٌ الإحسان هو ميراث الفقراء والبٌر الواجب لهم، إذ استحقهما لنا ربنا يسوع المسيح. (81) والاخوة الذين يعملون في الحصول على الإحسان سيظفرون بأجر عظيم، وسيكسبون هذه الأجر من يهبون الإحسان، فإن كل ما سيتخلى عنه الناس في العالم سيفنى، ولكنهم لقاء المحبة، ولقاء ما يجودون به من إحسان، سينالون الحياة الأبدية.


 

( وصية صغرى )


 

(نيسان/ أيار 1226)

بينما كان فرنسيس في مدينة سينا الإيطالية، في شهر نيسان أو أيار، من سنة 1226، اشتدٌ عليه المرض في إحدى الليالي، وصار ينزف دماً. فخاف عليه الاخوة واعتقدوا أنٌ عبوره إلى الآب صار قريباً، فطلبوا منه بإلحاح أن يترك وصيته الأخيرة. فباركهم هم وجميع الذين سيأتون من بعده. وبما أنه لا يقوى على الكلام بسبب مرضه، فقد اختصر وصيته بثلاث أفكار رئيسية دوٌنها الأخ مبارك: المحبة الأخوية المتبادلة، عيش الفقر المقدس، الخضوع للكنيسة ولكلٌ الإكليريكيين. هذه الوصية التي تدعى أيضا "الوصية الصغرى"، هي من أقصر النصوص وأكثرها تأثيراً وإلحاحاً. فمن خلالها يختصر فرنسيس برنامج الحياة الذي أراده له ولاخوته، ويعطي خُلاصةُ واضحةُ لروحانيٌته.

(1) اكتب أني أبارك جميع اخوتي، الموجودين في جماعتنا الرهبانية، والذين سينضمون إليه حتى آخر الدهر.

(2) وبما أنني بسبب الضعف وألم المرض لا أقوى على الكلام، فإني أبيٌن لاخوتي مشيئتي موجزة بهذه الكلمات الثلاث:

(3) علامة على أنهم يتذكرون بركتي ووصيتي فليحبوا دائما بعضهم بعضا،

(4) وليحبوا دائماً سيدتنا (فضيلة) الفقر المقدس، وليقيٌدوا بها،

(5) وليكونوا دائما مخلصين وخاضعين لأحبار أمٌنا الكنيسة المقدسة، ولكلٌ رجال الإكليروس.


 

( وصية كبرى )


 

(أيلول / تشرين الأول 1226)

بعد أن أعطى الوصية الصغرى في سبينا، تحسٌنت صحة فرنسيس، فطلب أن يُنْقَل إلى أسٌيزي. وفي أواخر أيامه على الأرجح وخلال مراحل عديدة واستجابة لأسئلة اخوته، أملى وصيته المعروفة "بالوصية" أو "الوصية الكبرى" شارحاً للمرة الأخيرة رؤيته الإنجيلية. الوصية هي الوثيقة الأكثر أصالة، والأكثر نسبة إلى فرنسيس من كل النواحي. من ناحية حياته: يُعيد فرنسيس قراءة حياته على ضوء العطيٌة، ويُرَدَّدْ بعد كل مرحلة من مراحل حياته "أعطاني الرب". من ناحية إنسانيته: تظهر طبيعته الإنسانية بعفوية، بدءاً بالذكريات العذبة وصولاً إلى صرخته، صرخة النبي المتألم الذي يبدو وكأنه سينهض من الفراش لكي يدافع للمرة الأخيرة عن تلك العطية التي أوحاها إليه الرب. لكنه يحذٌر الاخوة من اعتبار الوصية هذه قانوناً جديداً: إنها فقط توصية أبوية وأخوية، من خلالها يسلٌمهم ما تسلٌم من الرب، أي نهج الحياة الذي كان بالنسبة إليه، وسيكون بالنسبة إلى اخوته مصدر فرح وبركة. وفي ختام الوصية تتغيٌر لهجته، وتصبح مملوءة حنانا ورأفة، وبعد أن يستمطر بركة الثالوث على اخوته، يجرؤ هو أيضا على أن يباركهم.

(1) هكذا أعطاني الرب، أنا فرنسيس، أن أبدأ بالتفكير: إذ لمٌا كنت في الخطايا، كانت تبدو لي رؤية البُرْصِ مرةً واحدةً. (2) وقد قادني الرب نفسه بينهم ورئفت بهم. (3) ولدى ابتعادي عنهم، تحوٌل ما كان يبدو لي مُرَّاً إلى عذوبة الروح والجسد، وبعد ذلك بقيت قليلا ثمٌ هجرت العالم. (4) وأعطاني الرب إيماناً كبيراً بالكنائس، بحيث أني كنت أصلٌي ببساطة، هكذا قائلا: (5) إننا نسجد لك أيها الرب يسوع المسيح في جميع كنائسك الموجود في العالم أجمع، ونباركك لأنك بصليبك المقدس فَدَيْتَ العالم.

(6) بعدئذٍ، أعطاني الرب ولا يزال يعطيني إيماناً كبيراً بالكهنة الذين يحيون وفقاً لنهج الكنيسة الرومانية بسبب رُتبتهم، بحيث إني أريد اللجوء إليهم حتى إن هم اضطهدوني. (7) وحتى لو كان لديٌ مثل حكمة سليمان ولقيت كهنة مساكين في هذا العالم، فإني لا أريد أن أعظ ضدٌ إرادتهم في الرٌعايا حيث يمكثون. (8) وأريد أن أحترمهم هم وجميع (الكهنة) الآخرين، وأن أحبهم وأكرمهم كأسيادٍ لي. (9) ولا أريدُ أن أنظر إلى الخطيئة فيهم، إذ إنني أميٌز فيهم ابن الله وهم أسيادي. (10) وإني أفعل ذلك لأنني في هذا العالم لا أرى شيئاً جسدياً من الابن العليٌ لله سوى جسده ودمه الكليٌي القداسة، اللذين يقبلونهما هم أنفسهم، وهم وحدهم يوزعونهما على الآخرين. (11) أريد أن تُكَرٌم هذه الأسرار الكليٌة القداسة، وتُوَقٌر فوق كل شيء وتُودع في أماكن ثمينة. (12) وحيثما وُجدت أسماؤه وكلماته المكتوبة الكليٌة القداسة، في أماكن غير لائقة، أريد أن ألتقطها وأرجو الآخرين أن تُلتقط، وأن تُوضع في مكان لائق. (13) وعلينا أن نكرٌم ونوقٌر جميع اللاٌهوتيين، والذين يوزٌعون الأقوال الإلهية الكليٌة القداسة، على أنهم يوزٌعون الروح والحياة.

(14) وبعد أن أعطاني الرب اخوةً، لم يدلٌني أحد إلى ما يتوجب عليٌ عمله، لكنٌ العليٌ نفسه أوحى إليٌ بأنٌ عليٌ العيش وفقاً لنهج الإنجيل المقدس. (15) وأنا جعلت (ذلك) يُكْتَب بكلمات وجيزة وبسيطة، وثَبَّتُه لي السيد البابا. (16) وأولئك الذين كانوا يأتون للحصول على الحياة، كانوا يُعطون الفقراء كلٌ ما يملكون، مكتفين بثوب واحد، مرقٌع من الداخل والخارج، مع حبلة وسراويل. (17) وما كنٌا نريد الحصول على أكثر من ذلك. (18) وكنا، نحن الإكليريكيٌين نتلو صلاة الفرض مثل سائر الإكليريكيٌين، وكان (الاخوة) العلمانيون يتلون "الأبانا" وكنا عن طيب خاطر نبقى في الكنائس. (19) كنا غير متعلمين وكنا خاضعين للجميع.

(20) كنتُ أعمل بيديٌ، وما زلت أريد أن أعمل، وأريد بحزم أن يعمل جميع الاخوة الآخرين عمً شريفاً. (21) وعلى الذين لا يُحسنون (عملا) أن يتعلموا، لا طمعا بالحصول على جزاء العمل، بل من أجل (إعطاء) المثل الصالح، وطرد البطالة. (22) وعندما لا ننال عن عملنا جزاء، فلنلجأ إلى مائدة الرب، طالبين الإحسان من باب إلى باب. (23) وقد أوحى إليٌ الرب بهذه التحية التي ينبغي أن نقولها : "ليُعْطِكَ الرب السلام". (24) فليحذر الاخوة من قبول الكنائس والمساكن الوضيعة وكل ما يُبنى من أجلهم إطلاقاً، ما لم تكن ملائمة للفقر المقدس الذي التزمنا به في القانون ولنمكث فيها دائما مثل غرباء وحجٌاج.

(25) إني آمر بحزم وباسم الطاعة جميع الاخوة أينما كانوا، ألاٌ يتجاسروا ويطلبوا أية رسالة من الدوائر الرومانية بأنفسهم أو عن طريق شخص آخر، لا من أجل الكنيسة، ولا من أجل أيٌ مكان آخر، لا بحجٌة الوعظ، ولا بسبب اضطهاد (يلحق) بأجسادهم. (26) ولكن حيثما لا يُقبلون، فليهربوا إلى أرض أخرى كي يكفٌروا ببركة الله. (27) وأُريد بحزم الخضوع للخادم العامٌ لهذه الاخوة، وللخادم المحليٌ الذي يطيب له أن يعيٌنه لي. (28) وأُريدُ أن أكون مقيٌداً بين يديه، بحيث لا أستطيع الذهاب أو العمل خارجاً عن الطاعة أو عن إرادته، لأنه سيدي.

(29) وعلى الرغم من أني بسيطٌ ومريضٌ، فإني أريد أن يكون لي دائماً إكليريكيٌ يتلو صلاة الفرض، كما نصٌ عليه القانون. (30) وليلزم جميع الاخوة الآخرين بالطاعة لخدٌامهم المحليين، وبتلاوة صلاة الفرض وفقاً للقانون. (31) وإن وُجِدَ من لا يتلون صلاة الفرض وفقاً للقانون، ويرغبون في تعديلها بطريقة أخرى، أو ليسوا كاثوليكيين، فليلزم جميع الاخوة أينما كانوا باسم الطاعة وحيثما وجدوا أيٌا من هؤلاء بأن يُقدموه إلى الحارس الأقرب إلى المكان الذي وجدوه فيه. (32) وليلزم الحارس بحزم وباسم الطاعة أن يحرسه أشدٌ حراسة ليلاً ونهاراً، مثل رَجُلٍ في القيود، بحيث لا يُفلت من يديه إلى أن يُسلٌمه شخصياً لخادمه. (33) وليلزم الخادم بحزم وباسم الطاعة أن يرسله مصحوباً باخوة يحرسونه ليلاً ونهاراً مثل رجل في القيود، إلى أن يُقدموه لسيد أوستيا الذي هو سيد كلٌ الاخوة، وحاميها ومصلحها.

(34) ولا يقولنٌ الاخوة "هذا قانون آخر"، إنما هو تذكير وتنبيه ومناشدة وهو وصيتي التي أوصيكم بها، يا اخوتي المباركين أنا فرنسيس أخاكم الصغير، كي نحفظ على نحو كاثوليكيٌ أفضل القانون الذي وعدنا به الرب. (35) وليُلزم الخادم العامٌ وجميع الخدام الآخرين والحراس باسم الطاعة، ألاٌ يضيفوا إلى هذه الكلمات أو يحذفوا منها شيئا. (36) وليكن دائما معهم في النصٌ إلى جانب القانون. (37) وعندما يقرأون القانون في جميع المجامع التي يعقدونها، فليتلوا أيضا هذه الكلمات. (38) آمر بحزم وباسم الطاعة كلٌ اخوتي الإكليريكيين والعلمانيين، ألاٌ يضعوا تعليقات على القانون أو على هذه الكلمات قائلين: "هكذا ينبغي أن تفهم". (39) لكن مثلما أعطاني الرب أن أقول وأكتب ببساطة ونقاء القانون وهذه الكلمات، كذلك افهموها ببساطة ومن غير تحريف واحفظوها واعملوا بموجبها بقداسةٍ حتى النهاية.

(40) وكل من يحفظ ذلك فليمتلئ في السماء من بركة الآب العليٌ، وليمتلئ على الأرض من بركة ابنه الحبيب والروح المُعَزّي والكليٌ القداسة وكل قوات السماوات وكل القديسين. (41) وأنا فرنسيس أخاكم الصغير وخادمكم أثبت لكم بقدر ما أستطيع في الداخل وفي الخارج هذه البركة الكليٌة القداسة.


( إرادة أخيرة )


 

(أيلول / تشرين الأول 1226)

إنٌ مصدر هذه الوصية الأخيرة هو الفصل السادس من قانون القديسة كلارا، حيث تعبٌر كلارا عن رغبة القديس فرنسيس أواخر حياته في أن يتبع هو وكلارا وأخواتها الرب يسوع وفقره المقدس. تشهد هذه الوثيقة للقيم الأساسية التي كانت تُشغِل بال الفقير الصغير في أواخر حياته. ولا شكٌ في أنٌ القديسة كلارا قد وضعت هذه الوصية في قانونها، لكي تُشّجَّع أخواتها على اعتناق الفقر بأمانة لتعاليم فرنسيس، ولكي تبرهن للمعارضين من الخارج أنٌ الفقر هو شيء أساسيٌ في نهج حياتها، وهو يعود إلى فرنسيس نفسه.

(1) أنا فرنسيس، الأخ الصغير،  أريد اتٌباع حياة ربنا العليٌ يسوع المسيح،
وفقره، هو وأمه الكلٌية القداسة، والمثابرة على ذلك حتى النهاية،

(2) وإني أرجوكنٌ، سيداتي، وأنصحكنٌ، بعيش هذه الحياة الكلٌية القداسة، وهذا الفقر دائماً.

(3) وإحْذَرْنَ جيداً من الابتعاد عن ذلك، أبداً، وبأية طريقة، بسبب تعليم أو نصيحة أيٌ كان.

( قاعدة حياة )


 

بما انكم بإلهام الهي،
جعلتم من انفسكن بنات وامهات
وإماء للملك العلي السامي المقام،
الآب السماوي،
وصرتن،
باختياركن العيش حسب كمال الانجيل المقدس عرائس للروح القدس،
اريد واعدُ، باسمي وباسم اخوتي،
أن اهتم بكن وبهم دائما باجتهاد،
واعتني بكن عناية خاصة

 

( الفرح الحقيقي )


تنقل إلينا إحدى المجموعات (النصف الأول من القرن الرابع عشر) نص هذه الوثيقة التي لا أحد يشكُّ في أصالتها ونسبتها إلى فرنسيس. وهي من دون شكّْ، أقدم بكثيرٍ من القصة الموجودة في الفصل الثامن من كتاب "زُهَيْرات القديس فرنسيس)، وفي الفصل السابع من كتاب "أعمال الطوباوي فرنسيس ورفاقه". فبينما هذان الكتابان يتكلمان على "الفرح الكامل"، يتحدث هذا النص عن "الفرح الحقيقي". فيصبح بذلك الفرق واضحا: ففي "الفرح الكامل"، الاحتمالات التي يصفها فرنسيس هي غير مرفوضةٍ كليا من قبله بل هي درجات نحو الفرح والكمال، إذ إن بين الناقص والكامل توجد احتمالات عديدة. بينما في "الفرح الحقيقي"، فالاحتمالات المذكورة تصبح مرفوضة كلياً، من قبل فرنسيس بل هي أفراح مزيفة إذ أن بين الحقيقي والمزيف لا احتمالاتُ أخرى. فما ليس حقيقيا هو مزيف. من ناحيةٍ أخرى فنص "الفرح الحقيقي" هو أقرب إلى الواقع من النص الوارد في "الزُهَيرات" و"أعمال الطوباوي فرنسيس ورفاقه"، حيث يطلب فرنسيس من الأخ ليون تدوين ما سيقوله بينما هما سائران. أما في نَصّْ "الفرح الحقيقي"، فهو يطلب من الأخ ليون التدوين بينما هما في كنيسة سيدة الملائكة. نص "الفرح الحقيقي" يشبه إلى حدٍ بعيدٍ التوصية الخامسة والسيرة الثانية لتوما من شيلانو 125 و145 وسيرة بيروجيا 83. وهو يصف مفهوم الصغر الحقيقي لدى فرنسيس. ويبدو أنه يعكس اختباراً ملموساً عاشه فرنسيس نفسه مع اخوته وعاناه حتى توصَّل أخيرا إلى السلام الداخلي والفرح الحقيقي.

(1) لقد أفاد (الأخ ليونارد) عينه في المكان ذاته أن الطوباوي فرنسيس الذي كان في كنيسة القديسة مريم، استدعى الأخ ليون وقال له: "أخي ليون، اكتب". (2) فأجاب: "ها أنذا مستعد". (3) فقال: "اكتب، ما هو الفرح الحقيقي؟".

(4) رسولٌ يأتي ويفيد ان جميع معلمي باريس قد انضموا إلى رهبنتنا. اكتب: ليس هذا هو الفرح الحقيقي. (5) كذلك لو جاءنا جميع أحبارِ ما وراء الجبال من رؤساء الأساقفة، والأساقفة وحتى لو جاءنا ملك فرنسا، وملك إنكلترا، اكتب: ليس هذا هو الفرح الحقيقي. (6) وكذلك لو مضى اخوتي إلى غير المؤمنين وردّّوهم إلى الإيمان ولو أتاني الله نعمة شفاء المرضى ولو وصنعت الكثير من العجائب فإني أؤكد لك أن كل ذلك ليس الفرح الحقيقي".

(7) لكن ما هو الفرح الحقيقي؟ (8) "أكون عائداً من بيروجيا في ليلٍ دامس وآتياً إلى هنا في شتاءٍ موحلٍ، وقد جمَّدَ البرد القارس قطراتٍ من الماء تدلَّت قطعاً من جليدٍ، من أهداب ثوبي وأخذت ترتطم بساقيَّ بلا انقطاع إلى أن سال الدم من الجراح التي أحدثتها. (9) وفيما أنا أعاني من الوحل والبرد والجليد آتي إلى الباب وأقرعه طويلاً وأنادي فيأتي أخٌ ويسألُ: "من الطارق؟" فأجيب: "أنا الأخ فرنسيس". (10) فيقول: :امضِ في سبيلك فهذا ليس وقتا ملائما للتنقل. ولن أدعك تدخل". (11) وألحُ في الطلب فيجيب مجدّداً: "امضِ في سبيلك فأنت مجرد إنسانٍ بسيطٍ وغير متعلمٍ. وعلى أية حالٍ لا تعد إلينا مجددا فإن كثرة عددنا وكفاءتنا يغنياننا عنك. (12) وأنتصب من جديد أمام الباب وأقول: حبا بالله استقبلوني هذه الليلة. (13) فيجيب: "لن أفعل ذلك. (14) امضِ إلى مستشفى حاملي الصليب علَّهم يستقبلونك هناك". (15) إنني أقول لك، أنني إن صبرت ولم أضطرب ففي ذلك يكمن الفرح الحقيقي والفضيلة الحقة وخلاص النفس".

 

Copyright © 2009 Franciscan Fathers in the Holy Land. All rights reserved.

Webmaster : Issa Majlaton